لو اني اعرف أن المناصب القيادية العليا وعضويات المجالس والمؤسسات والهيئات المستقلة سيتنافس عليها أحيانًا من يتمكن بالواسطة أو المحسوبية، بينما يظل المفكرون والخبراء الحقيقيون على الهامش، فيما يُغلق آخر مقهى ثقافي في جبل عمان أبوابه بصمت. لو اني اعرف أن النهاية الرسمية لكل مشروع أو حلم سيُعلن عنها على أنقاض الجهد الحقيقي، وأن الأضواء ستسلط على من يرقصون على الجرح لا على من يحاولون تضميده.
لو اني اعرف أن الخريطة ستختزل إلى "فلتر" على سناب شات يمحو تفاصيلها، فتنسى آلاف القصص المهمة، وأن طابور الانتظار للحصول على حقوق أساسية أو فرصة عمل سيمتد بلا نهاية، تاركًا المعاني الحقيقية في طي النسيان.
لو اني اعرف أن دموع "مؤثر" ستُترجم إلى تبرعات رقمية بينما دموع أم الشهيد تبقى عملة بلا سوق، وأن أصابع عازف العود ستُباع صورها على إنستغرام أكثر مما يسمع عزفها.
لو اني اعرف أن شهادة اليوتيوبر في بث مباشر ستلغي شهادة الدكتوراه في الأدب، وأن نخالة البيانات ستطعم أجيالًا جائعة للحقيقة فتسممهم بالوهم المركب، وأن "ولد الحارة" سيدعى لمؤتمرات الشباب العالمي فيما ابن المفكر الكبير ينتظر الفرصة للعيش الكريم أو متابعة حلمه.
لو اني اعرف أن رشّة عطر باسم "غزة" ستُباع في دبي، بينما رائحة الغاز الحقيقية تختنق تحتها رئات الأطفال، وأن بصمة الإعجاب ستقضي على بصمة الإضراب، وأن أغنية راب عن الثورة ستدخل البيلبورد فيما تختفي قصائد محمود درويش من المناهج.
لو اني اعرف أن حارس أمن سيعي معنى الوطن أكثر من سياسي يلقي خطابًا رسميًا، وأن راتب معلق رياضي سيدفن فرقة مسرح وطنية، وأن نغمة هاتف ستُحمّل مليار مرة فيما يُنسى ديوان "الآن هنا" ، وأن صورة طبق الكشري المصري ستغني عن قراءة كتاب كامل عن تاريخ مصر.
لو اني اعرف كل هذا… بأي قلب كنت سأبدأ؟
لكني ولدت. ولدت من رحم هذه الأرض مزدوجة الحب، الأردن، حيث يتعلم الحجر أن يكون ورديًا لينجو من قسوة الزمن. ولدت من ذاكرة لا تشبه ذاكرة أحد: في يمناي حجر وطبشورة الطفل الفلسطيني الذي يكتب اسمه على بيته قبل أن يسقط، وفي يسراي تراب البتراء الذي يحفظ سر الصمود منذ آلاف السنين.
أنا الحرف الذي قرر أن يكون وطنًا عندما صار مجرد رمز في سجلات وتعقيدات؛ صوت يتحدث عن الكلمة الحقيقية، عن الصمود، عن الهوية، دون أن يشير إلى أي إساءة للأرض التي أعيش عليها. أنا الصوت الذي يعرف أن الهزيمة قد تكون طريقًا، لكن السكوت عليها هو الهزيمة الحقيقية.
قلبي ليس سجناً حديديًا للأحلام، بل هو "مخفر حدودي أدبي" يوقف كل وافد من أكاذيب العصر ليسأله: أين جوازك الإنساني؟ أين ختمك الذي يثبت أنك لم تأت لتسرق روح المكان؟
وأنا أبدأ. أبدأ لأن الخاتمة التي يبيعونها لي تحت عنوان: "الوطن البديل" هي خدعة العصر. خاتمتي ستُكتب على جدار في مخيم وربما في غزة، أو على دفتر طالب في جامعة اليرموك، أو في رسالة حب من مقهى في جبل عمان.
خاتمتي ستكون مقاومة للنسيان. سأجعل من حرفي بطاقة هوية لا تمحى، ومن كلمتي جواز سفر لا يحتاج تأشيرة. سأجعل من الوجود "ترندًا" لا يزول، لأنه لن يكون موضة، بل ذكرى دائمة كالندبة الجميلة على وجه التاريخ.
أنا من هنا. من البلد الذي يرفض أن يكون فندقًا عالميًا للصفقات، بل يصر على أن يكون بيتًا للقصص التي لم تكتمل بعد. أقول للعالم: تعالوا إلى هنا، لا لتروا مواقع التصوير، بل لتروا كيف يختزل زمن من الظلم في عيني فلسطينية في مخيم الوحدات، وكيف يختصر زمن من الكرامة في ابتسامة بدوية في وادي رم.
نحن، أبناء هذا المكان الذين يعرفون نهاية الفيلم منذ مشهده الأول، نقرر أن نبقى في الصالة. لا لنشاهد الكارثة، بل لنغيّر السيناريو بأيدينا. نبدأ لأننا الوحيدون الذين ما زلنا نعرف أن "الوطن" لا يُباع، بل يُورّث كالقصيدة التي تُحفظ عن ظهر قلب، حتى لو أحرقوا كل الكتب.
لقد حولوا الوطن إلى تطبيق جغرافي يُفتح ويُغلق، والذاكرة إلى سحابة تخزين مؤجرة. أما أنا، فقد حولت وجودي إلى سفر مفتوح، كل صفحة فيه تحدي للخاتمة المعلبة، وكل سطر إعلان أن البداية الحقيقية تبدأ عندما يقولون: "انتهى كل شيء".
فليكن.
هانذا: عِمَاد دَاود.
ابن الأرض التي تعلمك أن تحمل الجمال والحزن في كفيك، وأن تمشي.
من هنا… أبدأ.




