*
الخميس: 08 يناير 2026
  • 07 يناير 2026
  • 15:46
العمر هل نكبر فعلًا أم نُستَهلَك
الكاتب: د. أحلام ناصر

لسنا خائفين من الزمن… نحن خائفون مما يكشفه لنا.
كل سنة تمرّ لا تُضيف عمرًا بقدر ما تسحب وهمًا، منها وهم وفرة الوقت وانه ما زال اماما فرص لا تنتهي، وأن التأجيل حلّ، وأن الفرص تنتظر، وأن ما لم نفعله اليوم يمكن تعويضه غدًا. الزمن لا يهددنا ولا يشرح نفسه، هو يمرّ فقط، ثم يتركنا أمام مجموعة من الأسئلة لا مهرب منها:
كم بلغ عمرنا؟ 
كيف استُهلك هذا العمر؟ 
ماذا فعلنا بأعمارنا؟ السؤال الذي يجب أن نتوقف امامه
نعيش اليوم في زمن سريع، مليء بالضغوطات والمتطلبات، لا يمنحنا فرصة حقيقية للتأمل، لكنه يقيمنا المجتمع على النتائج، نركض بلا توقف، نُنجز، نُراكم، نملأ جداولنا، ثم نكتشف فجأة أننا لم نكن حاضرين فعلًا في حياتنا. الزمن لم يسرقنا، نحن من سلّمناه أنفسنا طوعًا… للمجاملات، وللتأجيل، ولحياة لا تشبهنا، لكننا واصلنا العيش فيها خوفًا من التغيير ومن مرآة المجتمع.
في بدايات العمر نبدّد الوقت بلا شعور بالذنب، نؤجل القرارات المصيرية، نُطيل علاقات نعرف في أعماقنا أنها خاطئة وغير مناسبة وتستهلك اعمارنا بذرائع متعددة نصبر بها انفسنا، ونقنعها بأن العمر ما زال طويلًا وان الفرص والبدائل ما زالت متاحة. نتصرف وكأن الزمن رصيد لا ينفد، وكأن الفرص تعود دائمًا بالشكل نفسه، ثم تأتي لحظة فاصلة، غالبًا بصمت، دون إعلان أو دراما، نسأل فيها بذهول صادق انفسنا،
أين ذهب كل هذا الوقت؟
هنا يبدأ الصدام الحقيقي، ليس مع الزمن، بل مع الذات.
نكتشف أن أكثر ما استنزف أعمارنا لم يكن الفشل، بل التردّد، لم تكن الخسائر، بل الخيارات المؤجلة. نكتشف أن الزمن لا يُعاقب أحدًا، ولا يكافئ أحدًا، بل يكشف الجميع، يكشف من عاش بوعي، ومن عاش على الهامش، ومن استبدل المعنى وجوهر الحياة بالصراع وتاه في ازمة متطلبات واوهام من صنع المجتمع عبر الزمن.
الزمن ليس عدوًا، لكنه غير رحيم مع من يعيشه بلا وعي.
ومع التقدّم في العمر، لا نصبح أضعف كما يُشاع، بل أكثر انتقائية، تتغيّر أولوياتنا، نُقلّص دوائرنا الاجتماعية، ننسحب من ضجيج وعلاقات لا يضيف لنا قيمة، ونفهم متأخرين أن السلام الداخلي ليس رفاهية نفسية، بل ضرورة للبقاء متماسكين.
الجدل الحقيقي أن الشيخوخة لا تبدأ في الجسد، بل في الاستسلام.
في اللحظة التي نتوقف فيها عن السؤال، عن الاختيار، عن المواجهة، أخطر ما يفعله الزمن بالإنسان ليس أن يضيف عاما جديدًا الى حصيلة عمره، بل أن يتركه فارغًا من المعنى، مثقلًا بالندم، محاطًا بحياة فرضت عليه من تقاليد المجتمع والأوضاع الاقتصادية والسياسية، لم يخترها يومًا بوعي.
في النهاية، الزمن ليس مفتوحًا كما نحب أن نعتقد، ولا كريمًا كما نُخادع أنفسنا، هو محدود، لا يُخزَّن ولا يُستعاد، وما يمرّ منه لا يُعوَّض، كل دقيقة تُهدر لا تعود، وكل تأجيل يُخصم مباشرة من رصيد العمر دون إشعار، كما أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات التي عشناها، بل بعدد المرات التي واجهنا فيها أنفسنا بصدق، واخترنا أن نعيش حياتنا نحن، لا الحياة التي صُممت لإرضاء الآخرين

مواضيع قد تعجبك