أخلاقنا ليست خطابًا، بل صبر طويل على أخطاء ترتكب باسمها، قبل أن نسأل بصوت خافت يتضخم مع الزمن: إلى متى؟!
الأردن بُني على طيبة عميقة، لا بوصفها سذاجة، بل كخيار أخلاقي جماعي؛ طيبة الناس، وهدوء الشارع، وسماحة القيادة، وذاك الميل الغريزي إلى تغليب العفو على العقاب والاستيعاب على الصدام. ولهذا ظلّ الأردن، في إقليم ملتهب، واحةً نجت من الدم، لا لأنها لم تُستفز، بل لأنها اختارت أن تضبط نفسها أكثر مما تضبط غيرها.
"بلدةٌ طيبةٌ وربٌّ غفور" لم تكن يومًا مجرد آية كريمة أو شعارًا إنشائيًا، بل عقدًا أخلاقيًا غير مكتوب، يربط الأرض بالسماء، ويحمّل الإنسان مسؤولية النعمة قبل التمتّع بها.
لكن، الطيبة، حين تطول إقامتها في المجال العام بلا توازن، قد تتحول من فضيلة إلى ذريعة. ومن هنا يبدأ السؤال الأردني المؤجَّل: متى تصبح السماحة غطاءً للتجاوز؟ ومتى تتحول الرحمة، إذا لم تُسندها المحاسبة، إلى حافز غير مقصود على التراخي؟ فالتاريخ لا يعاقب من أخطأ مرة، بل من اعتاد أن يخطئ لأنه لم يُسأل. والأمم لا تنهار فجأة، بل تتآكل بصمت، حين يُكافأ الإهمال بالصبر، ويُجابَه التقصير بالدعاء وحده دون شيئ من القطران!.
الأردنيون طيبون… أكثر مما ينبغي أحيانًا. يبتلعون الهفوة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى أن تتحول الهفوة إلى نمط، والنمط إلى عادة، والعادة إلى "أمر واقع"!
يقبلون الخدمات الناقصة، والوعود المؤجلة، والتفسيرات المكرورة، ثم يعودون إلى بيوتهم وهم يقولون: "لله يصلح الحال". هذه ليست لا مبالاة، بل إيمان عميق بأن البلد أكبر من خطأ، وأن الدولة لا تُدار بالضجيج. لكن المشكلة تكمن في قراءة بعض المسؤولين لهذا الصبر قراءةً خاطئة، فيظنوه تفويضًا مفتوحًا لا أمانة مؤقتة، ويعتبروا الطيبة الوطنية مظلة تحميهم من ثمن الإخفاق.
وهكذا تتكرر الحكايات نفسها بأسماء مختلفة: مشاريع تُقرّ ولا تُنجز، عطاءات تُمنح ثم تُعدّل بملاحق وغيرها!، طرق تُعبّد ثم تتشقق عند أول مطر، شبكات تُركّب ثم تختنق في أول اختبار. تقارير ديوان المحاسبة، عامًا بعد عام، لا تصرخ بل تهمس؛ تسرد ملاحظات، ومخالفات، وتجاوزات إجرائية، وكأنها تقول للدولة بهدوء مؤلم: انتبهوا، التراكم أخطر من الخطأ. والأخيرة تتناسى أحيانا -بقصد أو بدون قصد- أن الهمس، حين لا يُلتقط، يتحول مع الوقت إلى ضجيج كوارث.
حين جاءت الأمطار الأخيرة، لم تكن مفاجئة في علم الأرصاد، لكنها كانت مفاجئة في الإدارة! شوارع غرقت، وبنى تحتية عجزت، ومدن بدت كأنها تُدار بمنطق ردّ الفعل لا الفعل الاستباقي. هنا لم يكن السؤال: لماذا هطلت الأمطار؟ بل: لماذا لم نكن مستعدين لها، رغم أننا نعرف أنها ستأتي؟ ذلك هو جوهر الأزمة الأردنية الحديثة: معرفة بلا استعداد، وخبرة بلا تطبيق، ووثائق بلا تنفيذ!
المفارقة المؤلمة أن هذا البلد، الذي يصدر كفاءاته إلى العالم، ويبرع أبناؤه في بناء أعقد المنظومات خارج حدوده، يعجز أحيانًا عن حماية تفاصيله الصغيرة في الداخل؛ كأننا نعيش ازدواجية غريبة: عقل أردني يبني المستقبل في المنفى، ووطن في الجغرافيا يعيش على رصيد الصبر. مؤسسات تُرفع في الإعلام كرايات إنجاز، لكنها عند أول اختبار حقيقي تُكتشف هشاشتها، فيسقط الديكور المسرحي، ويظهر الطين تحت الزينة!
في الفكر السياسي، يميّز غرامشي بين السلطة التي تُمارَس بالقوة، والهيمنة التي تُمارَس بالرضا. والأردن، تاريخيًا، بلد الهيمنة الأخلاقية لا السلطوية؛ الدولة فيه تُطاع لأنها محترمة، لا لأنها مخيفة. لكن هذه الهيمنة، إن لم تُجدَّد بالعدالة والصرامة، قد تُساء قراءتها داخل الجهاز العام. أما فوكو، فيذكّرنا بأن الخلل لا يكمن فقط في غياب الرقابة، بل في غياب شعور الخاضع للمساءلة بأنه مرئي دائمًا. حين يشعر المسؤول أن الخطأ سيمرّ، لأن "البلد طيب"، يبدأ الخلل البنيوي بالتشكّل، ويتحوّل التسامح من قيمة أخلاقية إلى ثقافة إدارية مريحة.
القيادة الهاشمية، في جوهرها، قيادة متسامحة، تؤمن بالإصلاح الهادئ لا بالانتقام السياسي أو الإداري. وهذه إحدى أعظم نقاط قوة الدولة الأردنية. لكنها طيبة واعية، لا دعوة للفوضى ولا ترخيصًا للتجاوز. فـ"من أمن العقاب أساء الأدب"، لا لأنه شرير بالضرورة، بل لأن النفس البشرية تختبر الحدود إن لم تُرسَم بوضوح! ولا عدالة بلا رحمة، ولا رحمة بلا عدالة.
حكومة الدكتور جعفر حسان جاءت في لحظة مثقلة بالتراكم، لا لتبدأ من الصفر، بل لتواجه إرثًا إداريًا ثقيلًا. وهي تحاول، بوضوح، الترقيع حيث اتسع الرتق على الفاتق!، وإعادة وصل ما انقطع بين الميدان والمكتب، وبين القرار والتنفيذ. لكن الترقيع، مهما كان صادق النية، لا يكفي إن لم يتحول إلى إعادة هندسة شاملة لمنطق العمل العام. ما زال هناك متسع للإصلاح، نعم، لكن المتسع يضيق كلما تأخر الانتقال من إدارة الأزمات إلى منعها.
المشكلة لدينا -برأيي- ليست في غياب النية، بل في غياب الحسم الإداري المتدرج.،وليست نقص الخطط، بل في وفرتها دون متابعة صارمة! وليست في شحّ الكفاءات، بل في تبديدها في مسارات لا تُقاس بنتائج.، والمواطن الأردني -بكل بساطة- لا يطلب دولة قاسية، بل دولة عادلة. لا يريد سوطًا، بل نظامًا. لا يبحث عن استعراض محاسبة، بل عن يقين أن الخطأ له ثمن، وأن الإتقان له مكافأة.
هذا بلد طيب، نعم. وربٌّ غفور، نعم. لكن الدول لا تُدار بالرجاء وحده! الطيبة يجب أن تبقى قيمة أخلاقية للمجتمع، لا سياسة إدارية. والغفران يجب أن يظل شأنًا إلهيًا، لا إجراءً وظيفيًا. فحين تختلط هذه الحدود، يدفع المجتمع ثمنًا صامتًا، يتراكم حتى ينفجر في صورة فيضان، أو انهيار، أو فقدان ثقة!
اللحظة الراهنة لا يجب أن تكون لحظة قطيعة، بل لحظة وعي. وعي بأن الصبر الأردني ثروة وطنية يجب حمايتها، لا استنزافها. وبأن أخطر ما قد نخسره ليس مشروعًا أو طريقًا، بل الإحساس العميق بأن الدولة ترى، وتعرف، وستفعل. فإذا استُعيد هذا الإحساس، عادت الطيبة إلى مكانها الطبيعي: فضيلة مجتمع، لا ملاذ تقصير. عندها فقط، يصبح معنى "بلدة طيبة ورب غفور" ترجمةً أرضيةً لمؤسسات طيبة، وعدالة حاضرة، ودولة تعرف أن الرحمة لا تكتمل إلا بالمساءلة.




