في دفاتر أي دولة، يُدرج ملف “الأمن المائي” تحت بند الالتزامات الثقيلة؛ فهو عبء استراتيجي يبتلع مليارات الدنانير في مشاريع تحلية ونقل، ويفرض ضغطاً مزمناً على موازنة أنهكها الدين. لكن، ماذا لو أن شتاءً واحداً استثنائياً، كهذا الذي نعيشه يمتلك القدرة على قلب هذه المعادلة المعقدة؟ ماذا لو أن الطبيعة منحتنا الفرصة، ولو مؤقتاً لنقل هذا الملف من خانة المصاريف إلى خانة الأصول المنتجة؟ إن ما حدث هذا الموسم يتجاوز مجرد هطول المطر؛ إنه إعادة تموضع اقتصادي مؤقت لأثمن مواردنا وأكثرها ندرة.
للوهلة الأولى، تبدو القصة بسيطة. هطلت الأمطار بمعدلات فاقت 130% من المتوسط السنوي في بعض المناطق، فارتفع المخزون الكلي لسدود المملكة الرئيسية الأربعة عشر ليتجاوز 280 مليون متر مكعب، مقترباً من 85% من إجمالي سعتها التخزينية. هذا الرقم يترجم نفسه مباشرة إلى وفرة في المياه المخصصة للزراعة، القطاع الذي يستهلك أكثر من نصف مواردنا المائية ويسهم بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي. النتيجة الحتمية هي موسم زراعي واعد، وتكاليف أقل على آلاف المزارعين، واستقرار متوقع في أسعار سلة الغذاء التي تشكل قرابة ثلث إنفاق الأسرة الأردنية.
لكن التحليل الحقيقي يبدأ حيث تنتهي هذه الأرقام المباشرة. هذا المخزون المائي ليس مجرد ماء، بل هو “أصل احتياطي استراتيجي” ظهر فجأة في الميزانية العمومية للدولة. إنه يمنح صانع القرار الاقتصادي هامش مرونة لم يكن في الحسبان. فبدلاً من رصد مخصصات مالية طارئة لمواجهة عطش الصيف، يمكن الآن تحرير جزء من هذه السيولة وتوجيهها نحو تسريع مشاريع رأسمالية متعثرة أو دعم قطاعات إنتاجية أخرى. كل دينار كان من المفترض أن يُنفق على شراء مياه باهظة الثمن وتحرر بفضل المطر، يعود ليدور في عجلة الاقتصاد المحلي، مولداً تأثيراً مضاعفاً لا يمكن الاستهانة به.
لننظر إلى الأمر من زاوية “اقتصاد الطاقة”. في بلد يستورد 91% من احتياجاته من الطاقة، تعتبر عمليات تحلية المياه وضخها من الآبار الجوفية العميقة من أكثر العمليات استهلاكاً للكهرباء. إن وجود 280 مليون متر مكعب في السدود، يمكن توزيع جزء كبير منها بالجاذبية الطبيعية، يعني توفيراً مباشراً لملايين الدينارات من فاتورة الطاقة الوطنية. هذا ليس مجرد توفير للمال، بل هو تخفيف للضغط عن شبكة الكهرباء، ومساهمة غير مباشرة في تقليل البصمة الكربونية للاقتصاد الأردني. إنه مثال نادر على التقاء الأمن المائي بأمن الطاقة في علاقة تكاملية مربحة.
ربما تكون الفائدة الأهم هي الفائدة غير الملموسة: الوقت. لقد اشترى لنا هذا الشتاء وقتاً ثميناً. بدلاً من أن نكون في وضع “إدارة الأزمات” الدائم، أصبحنا في وضع “التخطيط الاستراتيجي” المؤقت. هذا هو التوقيت المثالي لتسريع العمل على الحلول الجذرية، وعلى رأسها مشروع “الناقل الوطني” الذي سيكلف ما لا يقل عن 9 مليارات دينار. أن تتفاوض وتخطط لمشروع بهذا الحجم وسدودك ممتلئة، يمنحك موقفاً تفاوضياً وقدرة على التحليل أكثر رسوخاً من أن تفعله وسدودك قاحلة.
في النهاية، هذا الشتاء لم يمنحنا الماء فحسب. لقد منحنا سيولة مالية إضافية، ووفراً في فاتورة الطاقة، ومرونة في التخطيط، وأصلاً استراتيجياً عزز موقفنا. لقد أثبت أن الاستثمار في بناء المزيد من السدود الترابية والحفائر لجمع كل قطرة مطر ليس مجرد سياسة بيئية، بل هو أحد أكثر السياسات الاقتصادية حصافة وربحية على المدى الطويل.



