لا يُحب الظهور، ولا يُجيد لعبة العناوين، ولا يملك تلك الرغبة الشائعة في أن يكون حاضرًا حيثما وُجدت الكاميرا ومع ذلك، حين تُفتح بعض الأبواب الصعبة، وحين تمشي المصالح الأردنية في ممرات ضيقة داخل واحدة من أعقد الأسواق في العالم، ستجد اسم الدكتور طارق نجيب رئيس مجلس الأعمال الأردني الأمريكي حاضرًا، لا كعنوان، بل كفعل حاضرًا دون أن يطلب الاعتراف، ودون أن يفرض نفسه على المشهد.
الكتابة عن هذا النوع من الرجال ليست سهلة لأنك لا تملك قصة جاهزة، ولا مشهدًا دراميًا، ولا سيرة تُختصر في نقاط تكتب وأنت تعرف أن أي مبالغة ستكون مكشوفة، وأن أي إنشائية ستفقد النص صدقه هو رجل يضع الصحفي أمام امتحان حقيقي إمّا أن تكتب بوعي، أو أن تصمت.
في عالمٍ يتحدث فيه الجميع عن الشراكات الدولية وكأنها مشاريع سريعة الربح، يبدو طارق نجيب كمن يسبح عكس التيار هو يعرف أن العلاقة بين الأردن والولايات المتحدة ليست مساحة شعارات، بل حقل ألغام اقتصادي وسياسي في آنٍ واحد حيث كل خطوة محسوبة، وكل كلمة لها وزن، وكل وعد قد يتحول إلى عبء إن لم يكن مدروسًا لهذا يتعامل مع الاقتصاد كملف ثقيل، لا كفرصة استعراض حيث يقرأ التفاصيل الصغيرة، ويهتم بالهوامش، ويعرف أن الفشل في التفاصيل هو أسرع الطرق لإفشال الصورة الكبرى هنا لا نرى رجل أعمال تقليديًا، بل عقلًا يشتغل بهدوء، ويخشى الأخطاء أكثر مما يطارد الإنجازات السريعة.
رئاسة مجلس الأعمال الأردني–الأمريكي ليست لقبًا اجتماعيًا، ولا بطاقة عبور إلى النخبة هي موقع حساس، يتطلب أعصابًا باردة، وقدرة على التوازن، ووعيًا بأنك تمثل دولة قبل أن تمثل فكرة. كثيرون يرون في هذا الموقع فرصة للظهور، لكن طارق نجيب رآه مسؤولية ثقيلة، وربما لهذا السبب تعامل معه بهذا القدر من التحفظ حيث لم نره يلهث خلف الإعلام، ولم نسمعه يعدد إنجازاته حيث بدا وكأنه يعرف أن المنصب إن لم يُدار بعقلانية قد يتحول إلى عبء على صاحبه وعلى بلده لذلك اختار أن يكون حاضرًا حيث يجب، وغائبًا حيث لا فائدة من الحضور.
في عالم الأعمال، قول “نعم” أسهل بكثير من قول “لا” حيث “نعم” تفتح الأبواب سريعًا، وتمنح شعورًا مؤقتًا بالنجاح أما “لا” فتحتاج شجاعة، وتحمّل تبعات، واستعدادًا لدفع ثمن غير مرئي وطارق نجيب من القلائل الذين لا يخشون هذه الكلمة
هو لا يوافق لمجرد المجاملة، ولا يمرّر الأفكار لأن الوقت لا يسمح بالنقاش حيث يفضّل أن يتأخر الاتفاق على أن يكون هشًا، وأن يُلغى مشروع على أن يكون عبئًا مستقبليًا وهذا النوع من التفكير لا يُكسب شعبية، لكنه يُراكم احترامًا طويل الأمد.
كثيرون في المشهد الاقتصادي يتقنون بيع الوهم حيث يتحدثون عن فرص غير ناضجة، وعن أسواق مفتوحة أكثر مما هي فعلًا، وعن نجاحات مستقبلية تُبنى على افتراضات هشة وطارق نجيب لا ينتمي إلى هذه المدرسة فهو لا يهوّن الصعوبات، ولا يُجمّل الواقع ويتحدث عن السوق الأمريكي كما هو صعب، وتنافسي، ولا يرحم من لا يفهم قواعده ويتحدث عن الاقتصاد الأردني بواقعية حيث إمكانات حقيقية، لكنها تحتاج إلى عمل طويل، لا إلى وعود سريعة. وهذا الصدق، وإن بدا قاسيًا أحيانًا، هو ما يمنح حديثه وزنًا.
أن تكون حلقة وصل بين اقتصادين مختلفين يعني أن تمشي على حافة دقيقة أي ميل زائد قد يُفسَّر تبعية، وأي تشدد قد يُقرأ تصادمًا حيث أن طارق نجيب اختار طريقًا ثالثًا وهو الاحترام المتبادل دون انحناء، والانفتاح دون ذوبان حيث لا يقدّم الأردن كحالة ضعف تبحث عن فرصة، ولا أمريكا كقوة تُفرض شروطها يطرح الشراكة بلغة المصالح المتوازنة، ويعرف أن احترام الذات الاقتصادية هو أول شروط أي علاقة ناجحة.
قد يتساءل البعض: لماذا لا يتحدث أكثر؟ لماذا لا يشرح؟
والحقيقة أن الرجل يدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام في بيئة مليئة بالتصريحات، يصبح الصمت موقفًا وفي مشهد يعاني من فائض الخطاب، يصبح الفعل الهادئ قيمة نادرة حيث طارق نجيب لا يتعامل مع الإعلام كمنصة إثبات، بل كأداة عند الحاجة فقط حيث يعرف أن كثرة الكلام قد تُفرغ الفكرة من معناها، وأن بعض الملفات لا تُدار على الملأ.
طارق نجيب ليس حالة استثنائية تُعلّق على الجدران، ولا قصة تُروى في المؤتمرات فهو رجل يعرف حدود دوره، ويؤديها دون ضجيج حيث لا يسعى لأن يكون بطلًا، ولا يخشى أن يبقى خارج الصورة فهو من أولئك الذين يعملون في الظل، لكن أثرهم يظهر في الاتجاهات التي تتغير ببطء، وفي القرارات التي لا تُنسب لأحد، لكنها تصنع فرقًا وفي بلدٍ يحتاج إلى هذا النوع من العقلانية أكثر من حاجته إلى الخطب يبقى طارق نجيب اسمًا هادئًا لكن حضوره لا يمكن تجاهله.




