خبرني - كتب الدكتور زيد أحمد المحيسن:
مع كل شتاء لا يفاجئنا المطر بقدر ما يفاجئنا واقع البلديات في الأردن، واقع يتكشف مع أول منخفض جوي كما لو أن الغيث جاء ليزيح ستار المجاملة ويكشف المستور. فالشتاء ليس كارثة، والسيول ليست حدثًا طارئًا، وما نعيشه كل عام ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال والترهل الإداري وغياب العمل الوقائي.
المطر لا يصنع الأزمة، بل يفضحها، ويكشف هشاشة جهاز بلدي اعتاد ردّ الفعل بدل الفعل، والاستعراض الإعلامي بدل العمل الميداني. تتكرر المشاهد ذاتها: جرافة واحدة تعمل، وعدة موظفين يقفون وأيديهم في جيوبهم، يراقبون، ينتظرون التصوير، ويتبادلون الكلام، بينما الشوارع تغرق، والمناهل تفيض، والمواطن يدفع الثمن. كأن المشكلة تُحل بالتصريحات والبث المباشر، مع أن البلديات لا تُدار بالإعلام، بل تُدار بالعمل، ولا يحكم عليها إلا المواطن، وهو الحكم الوحيد.
والسؤال الحقيقي ليس لماذا غرقت الشوارع، بل أين كانت البلديات قبل أن تمطر؟ أين تنظيف المناهل مسبقًا؟ أين الصيانة الدورية للعبّارات ومجاري السيول؟ أين الكشف الفني قبل الشتاء؟ أين المضخات الغاطسة الجاهزة؟ وأين غرف الطوارئ التي تتجاوز الورق إلى الفعل؟ هل يُعقل أن تُفتح المناهل بعصا مكنسة؟ وهل هذا عجز أدوات أم غياب إدارة؟ الواقع يقول إن الخلل مزيج من إهمال واضح وترهل إداري أعمق؛ إهمال حين تُؤجل الصيانة حتى تقع الكارثة، وترهل حين تكون الخطط موجودة بلا تنفيذ، والرقابة غائبة، والمحاسبة مؤجلة، في جهاز متضخم عددًا ضعيف أثرًا، وموظف بلا تدريب، ومسؤول بلا حضور، وعامل ميداني بلا توجيه.
والمال، وإن كان شحيحًا، ليس التبرير الكامل، لأن سوء الإدارة يهدر القليل كما يهدر الكثير. المواطن لا يطلب المستحيل، لا يطلب إيقاف المطر، بل يطلب شارعًا لا يتحول إلى نهر، ومنهلًا لا يصبح فخًا، وبلدية تعمل قبل الأزمة لا بعدها.
والطريق إلى الحل ليس معقدًا ولا نظريًا: عمل وقائي لا طارئ، صيانة دورية وفق جداول ملزمة، جاهزية حقيقية للطوارئ، إعادة هيكلة تقلل الترهل وترفع الكفاءة، رقابة ومساءلة عادلة، إشراك المجتمع المحلي في المتابعة، وقياس الأداء بما يحدث على الأرض لا بعدد التصريحات. فالشتاء ليس عدو البلديات، بل مرآتها الصادقة، وما لم نواجه هذه المرآة بجرأة وصدق، سنبقى نكرر المشهد ذاته كل عام: مطر، فوضى، تبرير، ثم نسيان… إلى أن يهطل المطر من جديد وتسقط ورقة التوت مرة أخرى.




