مع نهاية كل عام، ينتابنا شعور ثقيل غريب يصعب تفسيره، ليس لأن السنة كانت سيئة بالضرورة، بل لأننا نحمل معنا ما يفوق قدرتنا ،لا ما نحتاجه مثل قرارات تأجّلت حتى تحوّلت إلى أعباء، مشاريع لم تُنجز، أحاديث لم تكتمل، وعادات استمرّت لأننا لم نملك شجاعة تغييرها
وأنا أستعيد هذا الشعور المتكرّر، عادت إلى ذهني جملة بسيطة كانت تردّدها أمي بهدوء: “هزّ غربالك”
كانت تقولها كما اعتاد أهل الطفيلة الأبيّة أن يقولوا حكمتهم: بهدوء عميق، من دون خطابات طويلة أو نصائح ثقيلة
الغربال في معناه البسيط لا يصنع جديدًا، لكنه يفصل فيُبقي ما ينفع، ويترك ما يثقل ولا يفيد
واليوم، في زمنٍ مرهق مليء بالتعقيدات والتحديات والنصائح المعلّبة والمؤثرين الزائفين، تبدو البساطة الواعية حاجةً ملحّة أكثر من أي وقت مضى
العالم من حولنا يدفعنا باستمرار إلى الإضافة بمزيد من المنتجات، ومزيد من المهارات، ومزيد من العلاقات، ومزيد من البدايات. حتى بات الامتلاء هدفًا بحد ذاته، لا وسيلة
لكن ربما مشكلتنا ليست أننا لم نبدأ بما يكفي، بل أننا لم نتوقف بما يكفي ... نحمل أكثر مما نحتمل، ونواصل بدافع العادة لا بدافع الاختيار
لعلّ الراحة النفسية، وربما النجاح أيضًا، لا يكمنان في المزيد بل في الأقل، في أن نتخلّى عمّا لم يعد ضروريًا بدلاً من الاستمرار في حمله
هل ما نتمسّك به اليوم يخدمنا فعلًا، أم أننا نحتفظ به بدافع العادة؟ وهل نحتاج إلى البناء فورًا، أم إلى الفرز أولًا؟
التغيير الحقيقي لا يحدث بالقفزات الكبيرة، بل بتعديلات صغيرة تتكرّر وببساطة شجاعة نعترف فيها بأن بعض العادات لم تعد مناسبة، وبعض العلاقات استنزفتنا أكثر مما أعطتنا
نهاية العام ليست وقت جلد الذات ولا استحضار الندم، بل لحظة هادئة وفرصة صادقة للمصارحة. أن نُفرز ما لدينا فنُبقي ما يستحق، ونسقط من غربالنا ما أثقلنا من سلوكيات أرهقتنا، توقّعات خيّبتنا، ومحاولات أثبت الزمن أنها لا تُجدي ولا تسمن من جوع
العام الجديد لا يحتاج وعودًا صاخبة ولا قرارات تُرهق أكثر مما تُصلح يحتاج أمتعة أقل، وفهمًا أعمق، وشجاعة بسيطة نهزّ فيها غربالنا.
ابدأ من اليوم ... اختر شيئًا استنزفك هذا العام مثل عادة أرهقتك، علاقة أخذت أكثر مما أعطت، أو التزام لم يعد يخدم أهدافك اكتبه، وقرر بوضوح ماذا ستفعل به
لست بحاجة إلى خطة معقدة، فقط سؤال بسيط صادق تطرحه على نفسك: هل أحتاج هذا فعلًا في حياتي القادمة؟
هزّ غربالك... فليس كل ما اعتدناه يستحق أن نأخذه معنا




