*
الخميس: 01 يناير 2026
  • 30 ديسمبر 2025
  • 14:29
بورك الماء المسفوح يا كرك
الكاتب: عماد داود

خبرني - كتب عماد داود:

الماء ذاكرة سائلة تبحث عن مجرى لها عبر صدوع النسيان. حين انحدر على الكرك، لم يكن يبحث عن أرض يرويها، بل عن لسان ينطق بالغياب. كان يشق طريقه عبر شوارع المدينة كسؤال عابر، لكنه وجد الإجابة ملقاة في زوايا الإهمال، فتحول إلى إعصار من العتاب!

حجارة القلعة الساقطة. ليست أحجاراً، بل كلمات انتهت صلاحيتها من قصيدة كتبها الأيوبيون ونسينا نحن كيف نقرأها. كل حجر يحمل بصمة يد بنته بحب، وصدى خطوات جندي حرس الحلم قروناً، وظل لرجل وقف هنا يواجه الرياح. الماء لم يهدمها، بل كشف أن ثمةَ يداً خفيةً أقوى من يد التاريخ: يد الصمت الإداري التي تنحت بالتأجيل ما لا تستطيع الحروب نحته!

في الشوارع، صار المشهد لوحة مائية لسالفادور دالي: سيارات تطفو كأحلام خفيفة، بيوت تتحول إلى جزر معزولة، وأناس يمشون في الطين وكأنهم يخطون في زمن آخر. الصور التي التقطتها العيون لم تكن توثيقاً، بل كانت مرايا مواجهة.

كل لقطة تقول للمشاهد: هذا ليس مكاناً آخر، هذا أنت! هذا ليس طيناً، هذا غبار العهد بين المكان والإنسان، حين يُترك ليُحمل على سطح الماء!

على الشاشات، كتب الناس بلغةٍ جديدة. قال أحدهم: "تعلمت اليوم أن الماء قادرٌ على نحت الصخر، لكن الأدهى أنه قادرٌ على نحت كبريائنا أيضاً". وكتبت امرأة: "بيتي غرق، لكن ذاكرتي طفت كخشبةٍ على السطح". هذه ليست تعليقات، بل شهادات وجود من أناسٍ اكتشفوا فجأةً أن الخطر الحقيقي لا يحمل سيفاً، بل يحمل قلم تأجيل، ويمشي على أقدام التقاعس.

والكرك، التي تتكلم بلهجة الحجر الصامد، وجدت نفسها في محادثة غريبة مع عنصر يتكلم بلسان الجريان والانزياح!

كيف لمدينة واجهت صلاح الدين والمماليك والعثمانيين والاستعمار والتطرف أيضا، أن ترتجف تحت دفق مطر؟ لأن العدو الجديد لا يأتي على خيل ولا بأحزمة ناسفة ومتفجرات واسلحة آلية،؛ بل يأتي في ثوب الموظف الذي يوقع على التأجيلات، وبعقل المهندس الذي ينسى حساب ميلان الشارع، وقلب المسؤول الذي يظن أن الوطن خطوط على خريطة، لا عهد بين الأجيال.

تذكرتُ وأنا أرى الماء يعبث بمجد المدينة، كلمات كافكا: "السلاسل التي تكبل البشرية مصنوعة من الورق". ورق التقارير غير المنفذة، وورق المخططات المعلقة، وورق الوعود التي تذوب مع أول رطوبة. الماء كان مجرد كاشف عظيم، كالطبيب الذي يخبرك بالمرض بعد أن يكون قد استوطن العظام.

حتى الحلول النبيلة التي جاءت كرد فعل، كانت جزءاً من التراجيديا. جاء المسؤولون يمشون في الوحل، لامسوا الألم بأيديهم، والإنصاف يقتضي القول إن هذا الإرث ثقيل، فهو تراكم عقود من التخطيط القصير المدى، ولا تحمله حكومة واحدة أو وزير بعينه، حتى لو جاء بحماس الميدان وإرادة التغيير... لكن ظل السؤال معلقاً: هل ستتحول هذه اليد الممتدة إلى قبضة تمسك بالمشروع حتى اكتماله؟ أم سنعود إلى رتابة الاجتماعات التي تلد فأراً بعد جبل من المخاض؟

العبارة القديمة "بورك الدم المسفوح يا كرك" تتردد اليوم كنشيد مرثي. الدم كان ثمن الحرية، والماء أصبح ثمن المسؤولية. أو بالحقيقة، ثمن غيابها. كلاهما سوائل مصيرية، لكن أحدهما يكتب التاريخ، والآخر يمحوه!

قد تكون هذه الكارثة هدية مروعةً من القدر. هدية تجبرنا على النظر في المرآة العميقة. مرآة تكشف أن الحضارة ليست في ارتفاع الصروح، بل في عمق المجاري! ليست في جمال الواجهات، بل في صلابة "المواسير". ليست في قدرة الصمود أمام الغزاة، بل في حكمة التعامل مع المطر!

الكرك تعلمنا درساً مزدوجاً: الماء قد يكون نعمةً أو نقمة. والنعمة لا تأتي من السماء فقط، بل تصنعها أياد على الأرض. أياد تعرف أن احترام الوطن يبدأ من احترام كل شبر من ترابه، ومجرى مائه، وكرامة إنسان لا يجب أن يخوض في الوحل ليصل إلى بيته.

فبورك الماء المسفوح يا كرك، إذا كان قد جاء لينقذنا من أسوأ أعدائنا: رضانا عن أنفسنا. لينبهنا أن بعض الجدران يحتاج ترميماً، ليس في الحجر، بل في العقل. في العقل الذي ينبغي أن يتعلم أن العظمة ليست في البناء فوق الأرض فقط، بل في البناء معها؛ بانسيابية النهر الذي يعرف مجراه ولا يتعداه.

وستبقى الكرك، كالعادة، شاهدة. شاهدة على أن الماء قد يغسل الحجارة، لكنه لا يغسل الإرادة. وقد يهدم الجدران، لكنه لا يهدم الحلم. وربما، بعد سنوات، سنشكر هذه السيول لأنها أيقظت فينا سؤال الجودة، وذكرتنا أن الوطن يُبنى كل يوم، بكل قرار صائب، وبكل تفصيل محترم.

فلنرمم السور، لكن الأهم أن نبدأ بترميم العهد: العهد الذي بيننا وبين الأرض التي نحتضنها وتحضننا، وبيننا وبين السماء التي ترويها، وبيننا وبين أنفسنا، عندما نقرر أخيراً أن نكون عند مستوى حجارة أجدادنا، لا أدنى منها!

مواضيع قد تعجبك