*
السبت: 14 فبراير 2026
  • 21 ديسمبر 2025
  • 18:09
‏الأردن الخامس عالميا في العمل أبطال أم ضحايا في ماراثون الإنتاجية العالمي
الكاتب: د.ايات الشاذلي

خبرني - في عالم الاقتصاد، هناك أرقام تتحدث عن نفسها، و ارقام اخرى تخفي وراءها قصصاً كاملة. الأردن بحسب تقارير دولية متخصصة، يحتل المرتبة الخامسة عالمياً في عدد ساعات الدوام الأسبوعي. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة بل هو مرآة تعكس تحدياً اقتصادياً عميقاً يمس جوهر استراتيجية الاعمال الوطنية:هل العمل لساعات أطول يعني بالضرورة إنتاجية أعلى؟

لننظر إلى ما وراء الرقم. عندما نجد أن متوسط ساعات العمل في القطاع الخاص الأردني يقترب من 48 ساعة أسبوعياً، بينما المعدل العالمي يدور حول 40 ساعة ، نحن أمام ظاهرة تستدعي تحليلاً دقيقاً. 

هذا الترتيب، الذي أظهرته دراسة أجراها منتدى الاستراتيجيات الأردني بالتعاون مع جهات دولية يشير إلى أن العامل الأردني يبذل جهداً زمنياً استثنائياً. لكن التحليل الاقتصادي الواقعي لا يكتمل إلا بالنظر إلى "مكافئ الإنتاجية".

العمق التحليلي يكمن في فهم أن العلاقة بين ساعات العمل والإنتاجية ليست خطية أبداً. بعد نقطة معينة، يصبح العمل لساعات إضافية غير فعال، بل قد يكون ضاراً. هذا ما يسميه الاقتصاديون "تناقص الإنتاجية الهامشية". 

في الأردن، يظهر هذا التناقص جلياً. نحن نعمل 48 ساعة، لكن دراساتنا المحلية تشير إلى أن إنتاجيتنا الفعلية لكل ساعة عمل لا تتناسب مع هذا الجهد الزمني، ما يعني أن جزءاً كبيراً من الساعات الإضافية التي يقضيها الموظف في المكتب هي "ساعات حضور" وليست "ساعات إنجاز". 

وهذه الساعات تُهدر في الروتين المفرط، والاجتماعات الطويلة التي تفتقر إلى القرارات الحاسمة، وربما الإرهاق المزمن الذي يقلل من التركيز والإبداع بعد الساعة السادسة من الدوام. هذا الواقع يضع الشركات الأردنية أمام تكلفة خفية باهظة، فهي تدفع أجوراً مقابل ساعات عمل طويلة، لكنها تحصل على إنتاجية منخفضة نسبياً، ما يضعف من قدرتها التنافسية في الأسواق الإقليمية والعالمية التي تعتمد على نموذج "العمل الذكي" و"الكفاءة الرقمية".

النظرة الاقتصادية الواقعية لا تكتفي بتشخيص المشكلة، بل تقدم خارطة طريق للتحول، إن حقيقة أن العامل الأردني لديه الاستعداد للعمل لساعات طويلة هي ميزة يمكن استثمارها، ليس بزيادة الساعات، بل بزيادة كفاءتها. 

ويمكن القول إن التحول الرقمي يصبح استراتيجية وطنية، ليس فقط لتبني التكنولوجيا، بل لاستخدامها في تحرير الموظف من المهام الروتينية. كل ساعة عمل يتم توفيرها من خلال الأتمتة يمكن توجيهها نحو الإبداعوالتطوير، والتفكير الاستراتيجي. 

من المفيد أيضاً أن تبدأ الشركات في قياس الأداء بناءً على "النتائج" و"القيمة المضافة" بدلاً من "ساعات الحضور"، وهذا يتطلب تدريباً مكثفاً للمديرين على إدارة الأداء وليس إدارة الوقت. كما أن الاستثمار في جودة الحياة أمر لا يمكن إغفاله، فعندما يقضي الأردنيون كل هذا الوقت في العمل، فإن جودة حياتهم تتأثر، مما ينعكس سلباً على إنتاجيتهم على المدى الطويل، لذا فإن توفير بيئة عمل صحية ومرونة في الدوام يعد استثماراً مباشراً في الإنتاجية المستدامة.

إن تصنيف الأردن الخامس عالمياً هو دعوة صريحة لنا جميعاً للنظر بعمق إلى استراتيجياتنا، فنحن لسنا ضحايا لهذا الرقم، بل يمكننا أن نكون أبطالاً إذا نجحنا في تحويل هذا الجهد الزمني الهائل إلى قوة دافعة للكفاءة والإنتاجية الذكية، وهذا برأيي هو التحدي الاقتصادي الأهم الذي يواجهنا اليوم، وهو مفتاحنا نحو اقتصاد أكثر مرونة وتنافسية.

مواضيع قد تعجبك