خبرني - على أرصفة المدن، وبين امتداد الطرق التي تشقّ جسد الوطن كأوردة نابضة، تتسع الهوّة بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. فطرق الأردن، التي صُمّمت لتكون جسوراً للحياة، غدت—بفعل الإهمال وتراخي الانضباط—ساحة نزيف صامت لا يرى الناس بدايته، لكن الجميع يشعرون بمرارته حين يسقط رقم جديد في سجل الضحايا، أو تُطفأ نافذة في بيت فقد عزيزاً. إنّها حرب بلا ضجيج، لكنها تخلّف جراحاً لا يبرؤها الزمن، وتستنزف من موارد هذا الوطن أكثر مما تستنزفه الحروب المعلنة.
ففي عام 2023 وحده، ارتقت أرواح 560 من أبناء الوطن إلى بارئها، وتكدّست غرف الطوارئ بآلام 16,469 جريحاً. وفي 2024 استمرّ النزيف وإن خفت حدته، فخسرنا 543 روحاً جديدة، وامتلأت سجلات المستشفيات بـ 18,275 إصابة، منها 855 إصابة خطيرة تعيد تشكيل حياة أصحابها وتثقل قلوب أسرهم. هذه الأرقام—على جمودها—تحمل في طياتها صرخات مكتومة، وحكايات توقف نبضها عند لحظة رعناء من السرعة، أو انشغالٍ بهاتف، أو تجاوز لا يرى في الطريق سوى حلبة لثبات القوة.
وما بين خسارة الأرواح واستنزاف المشاعر، يقف الاقتصاد مثقلاً بفاتورة باهظة؛ إذ بلغت تكلفة الحوادث في عام 2024 وحده نحو 958 مليون دينار أردني، بينما تشير تقديرات سابقة إلى متوسط خسارة سنوية يقارب 350 مليون دينار. إنّها أرقام تكفي لإنشاء جامعات جديدة، أو مستشفيات متطورة، أو تحديث منظومات نقل عامّ تضاهي دول العالم، لكنّها تُنزف اليوم على الطرقات—حيث يُهدر المال لتضميد جراح كان يمكن تفاديها لو ارتقى الوعي، وتشدّدت الرقابة، وتعاضدت إرادة الإصلاح.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، يروي لي أحد الأصدقاء المقيمين في أوروبا حادثة لافتة: يقول إنه ركن سيارته في مكانٍ ظنّ أنه خارج مرمى عين الأمن، لكنه حين عاد وجد مخالفة موضوعة بإتقان على الزجاج الأمامي. حمله الفضول على تكرار الفعل في اليوم التالي، لكن هذه المرة وقف على مسافة يتفحّص المشهد. فإذا بمجموعة من طلاب المدرسة المجاورة—أطفال في مقتبل العمر—يمسحون المنطقة بدقة، يرصدون أي مخالفة مرور، ويوثقونها كضباط عدلية صغار تلقوا تدريباً في مدارسهم على احترام النظام والمسؤولية المدنية. لم تكن الشرطة من ضبطته اليوم؛ كانت «ثقافة مجتمع» كاملة تمارس دورها قبل القانون.
سألني صديقي بحسرة: متى نصل نحن إلى هذا المستوى؟ متى يصبح النظام قيمة يتربى عليها الطفل قبل أن يُحاسب عليها الرجل؟ متى نحمي الإنسان من شبح السيارة، لا بالقهر، بل بالوعي؟
وإنني أقول: سنصل عندما ندرك أن ثقافة الطريق لا تبدأ من الشارع، بل من المدرسة، ومن البيت، ومن الرسائل اليومية التي تُصاغ في وعي الطفل. عندما نفهم أنّ السلامة ليست إجراءات جامدة، بل سلوك متجذر وقناعة راسخة بأن الحياة أغلى من أي عجلة مسرعة، وأثمن من أي دقيقة يريد السائق أن ينتزعها بالعجلة.
إنّ علاج النزيف الصامت يبدأ من هنا: من وعيٍ يشعّ في نفوس الناس قبل أن يُكتب في نصوص القانون، من تعليمٍ يزرع في الأجيال احترام الطريق كما يزرع فيها القراءة والكتابة، ومن دولة ترى أن حماية الإنسان ليست واجباً أمنياً فحسب، بل واجباً حضارياً وأخلاقياً. حين يصبح الطريق جزءاً من منظومة قيمنا، وحين يدرك السائق أن قيادته مسؤولية لا استعراض، وحين يتكاتف المجتمع لتحويل الانضباط إلى عادة يومية—حينها فقط، سينحسر هذا النزيف، وسيتحول صمت الموت إلى صوت للحياة.
ولعلّ أجمل ما نحلم به أن يأتي يوم يقف فيه طفلٌ أردني، مثل أولئك الذين في الحكاية الأوروبية، ليقول لمن يخالف:
"ليس لأن القانون يأمر… بل لأن حياتك وحياة الآخرين تستحق الاحترام."
عندئذ فقط نكون قد بدأنا فعلاً شقّ الطريق نحو أردنٍ بلا دماء على الإسفلت، وبلا نزيف يُهدر الإنسان والمال، وبلا حرب صامتة تُسفك في الظل.



