غير أن هارتموت روزا لا يجد ضالته في حركة "البطء"، من الطعام البطيء إلى المدن البطيئة، إذ يعتبرها خطابات تسويقية تحاول "بيع الأصالة" أكثر مما تعالج جوهر المشكلة .

بعد عشرين سنة على صدور كتابه "التسارع: نقد اجتماعي للزمن"، يرى روزا اليوم أن الأزمة تتجاوز مسألة السرعة والبطء، هي "أزمة عميقة في العلاقات: علاقتنا بالطبيعة، وهو ما يظهر بوضوح في الأزمة البيئية، وعلاقتنا بأنفسنا، حيث انفجرت معدلات استهلاك المؤثرات النفسية في جميع البلدان المتقدمة، وكذلك علاقتنا بالآخرين".

لذلك، لا يكمن الحل في الإبطاء كغاية، بل في تجنب لحظة تتحول فيها السرعة إلى اغتراب، حين نفقد الصلة بالعالم وبذواتنا. هنا يقترح روزا مفهوم "الرنين" (resonance) وهو عبارة عن "علاقة حية ومتبادلة مع العالم، حيث يلمسنا شيء ما فنستجيب، فتقع حركة تأثر من الخارج، ورد من الداخل، ينتج عنها اتصال يغيرنا ويغير تجربتنا للعالم".

الرنين، بخلاف الاغتراب، يخلق صلة ذات معنى. بينما يجعل الاغتراب العالم صامتاً والإنسان "جافاً"، يمنح الرنين الفرد شعوراً بأن العالم يخاطبه. وهو ليس انسجاماً كاملاً ولا تنافراً كاملاً، بل يحتاج إلى اختلاف وتوتر.

لكن الرنين لا يحدث من دون شروط: انفتاح، وهشاشة، ووقت، واستقرار، وغياب الخوف. ويرى روزا أن شبكات التواصل الاجتماعي تحاكي الرنين من دون أن تحققه لأنها تعمل بمنطق السرعة والتراكم نفسه الذي يعمق الاغتراب.

إذاً "فلسفة الرنين" هي دعوة إلى استعادة العلاقة الحية والمتجاوبة مع العالم في وجه تسارع الحياة الحديثة.

من هنا يجدر النظر إلى دعوات التباطؤ اليوم ليس كمجرد رهاب من التكنولوجيا أو حنين إلى زمن سحيق، بل كمحاولة لاستعادة حضورنا في العالم، والرد على منطق الفعالية الذي يساوي بين السرعة والحياة، ليحول الوجود البشري إلى سباق بلا خط نهاية.