خبرني - في ظل تحولات كبرى تعصف بالعالم من حولنا، تبرز الحاجة إلى مساءلة واحدة من أكثر الظواهر عمقًا وتأثيرًا في حياتنا اليومية: الوعي الجمعي. هذا الكائن الخفيّ الذي يتحرك داخل المجتمعات دون أن يُرى، لكنه يُشعر، ويُقاس، ويُلاحظ من خلال مواقف الناس، وطريقتهم في التفكير، وتفاعلهم مع الأحداث، واستجابتهم للمتغيرات. في الحالة الأردنية، يبدو سؤال الوعي الجمعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، في ظل تحديات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية تتقاطع وتتفاعل، فتترك بصماتها على بنية العقل العام، وعلى مسارات التفكير الشعبي، وعلى شكل العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الإنسان وذاته.
الوعي الجمعي لا يُصنع في الفراغ، ولا يُترك ليولد عشوائيًا. بل هو، في جوهره، نتاج تراكمات تقودها قوى مؤثرة، تتحرك داخل المجتمع بتفاوت في الحضور والسطوة. ومن بين أبرز هذه القوى في المشهد الأردني: الإعلام، والتعليم، والدين. ثلاث سلطات رمزية، تتشابك في تأثيرها، وتتداخل أحيانًا، وتتضاد أحيانًا أخرى. ولكل واحدة منها يدٌ في صناعة التصورات الجمعية، وفي غرس القيم، وفي تحديد أولويات الرأي العام.
الإعلام، في تجلياته المعاصرة، لم يعد ناقلًا للحدث فحسب، بل أصبح صانعًا له، وموجهًا لطريقة استقباله. فقد تحول الإعلام من سلطة رابعة إلى سلطة أولى في تشكيل الانفعالات، وفي إملاء التفسيرات الجاهزة، وفي توجيه العقول نحو زوايا محددة. في الأردن، تغيّر وجه الإعلام خلال العقدين الماضيين بشكل دراماتيكي، مع صعود الإعلام الرقمي، وتراجع نموذج الإعلام التقليدي. اليوم، بات كل هاتف ذكي نافذة مفتوحة على وعي المواطن، وكل منصة رقمية قادرة على زرع فكرة أو إشاعة أو انطباع في لحظة واحدة. الإعلام الرسمي، رغم محاولاته للتحديث، لا يزال في كثير من جوانبه أسيرًا للخطاب الموجّه، بينما الإعلام الخاص، غالبًا ما ينزلق نحو الإثارة والربحية. أما الإعلام الجديد، فقد خلق حالة من الفوضى في تدفق المعلومات، وأنتج وعيًا سريع الاشتعال، هشّ البنية، تتنازعه العواطف، ويتغذى على ردود الأفعال لا على التأمل. الخطر ليس في كثرة المنابر، بل في ضحالة الرسالة، وفي تغليب الكم على النوع، وفي غياب المعايير التي تميز بين المعلومة والتحريض، وبين التنوير والتشويش.
أما التعليم، فهو المفترض أن يكون الحاضنة الكبرى لصناعة وعي جمعي متماسك، عقلاني، ومستنير. لكن التعليم في الأردن يمر بأزمة مزدوجة: أزمة مضمون وأزمة وظيفة. كثير من المناهج تفتقر إلى إثارة التفكير، وتميل إلى التلقين أكثر من التحليل، وإلى الحفظ أكثر من الفهم. الصفوف الدراسية، في معظمها، لا تُعلّم الطلبة كيف يفكرون، بل ماذا يفكرون. والجامعات، التي يُفترض أن تكون منصات للعقل الحر، كثيرًا ما تحولت إلى مصانع للشهادات، لا للوعي. الطلاب يتخرجون غالبًا دون أن يتقنوا أدوات التفكير النقدي، ودون أن يتعلموا كيف يفرّقون بين الرأي والمعلومة، أو بين القناعة والانقياد. التعليم الذي لا يُعلّم السؤال، يُنتج مجتمعًا يهاب الاختلاف، ويقدّس التكرار، ويخشى من خوض الحوار. والوعي الذي يُنتج داخل هذه المنظومة التعليمية يكون مفرغًا من الديناميكية، مستقرًا عند مستوى "المعلومة"، لا متجاوزًا نحو "المعرفة".
وللدين في الأردن موقع خاص في تشكيل الوعي الجمعي. فهو ليس مجرد مرجعية روحية، بل هو مكوّن رئيس في الهوية الثقافية والاجتماعية. غير أن الخطاب الديني المهيمن يعاني – في كثير من حالاته – من الجمود، ومن الانكفاء على المألوف، ومن تكرار القوالب الجاهزة. الخطب المنبرية، والوعظ العام، والخطاب الديني في وسائل الإعلام، غالبًا ما يكتفي بالمعالجة الأخلاقية السطحية، ويبتعد عن القضايا الجدلية التي يعيشها الناس. الشباب على وجه الخصوص، يعانون من فجوة بين ما يقال لهم من فوق المنابر، وبين ما يعيشونه من أسئلة وحيرة وتناقضات في حياتهم اليومية. الدين، حين يُقدّم كمنظومة من الممنوعات، دون أن يُفهم كمشروع للمعنى والكرامة والعدالة، يتحوّل في الوعي الجمعي إلى أداة للترويض، لا منصة للتحرر. المشكلة ليست في النصوص، بل في طريقة عرضها، وفي انتقاء ما يُقال وما يُسكت عنه. الدين في جوهره قوة تحرير للعقل والروح، لكنه في الممارسة قد يُستخدم أحيانًا كأداة للضبط والسيطرة، إذا لم يُجدّد الخطاب، ويُقرأ النص في ضوء العصر، لا في ظله فقط.
إن القوى الثلاث، الإعلام والتعليم والدين، لا تتحرك في فراغ، بل في بيئة اجتماعية تتأثر بها وتؤثر فيها. وحين تغيب الرؤية الوطنية الثقافية الجامعة، فإن هذه القوى قد تعمل بشكل متضاد، فينتج عنها وعي جمعي منقسم، متذبذب، يتلقى الرسائل المتناقضة دون فلترة أو فحص. فقد يزرع التعليم قيمة معينة، ثم يأتي الإعلام ليهدمها بسخرية، ثم يُقدَّم الدين بطريقة تزيد من الالتباس حولها. والنتيجة: وعي مشوش، متردد، يهرب إلى العاطفة حين يعجز عن الفهم، ويتكل على الشعارات حين يخونُه المنطق.
الوعي الجمعي في الأردن لا يحتاج إلى وصاية، بل إلى مشروع وطني حقيقي لإعادة بنائه. مشروع لا يخاف من العقل، ولا يحتقر المعرفة، ولا يتردد في طرح الأسئلة الكبرى. مشروع يدمج بين القيم والواقع، بين الأصالة والانفتاح، بين التاريخ والمستقبل. لا أحد يصنع الوعي بمفرده، ولا يمكن لقوة واحدة أن تدّعي امتلاك العقل العام. فبناء الوعي مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، وتتكرّس في الإعلام، وتُعمّق بالدين، وتُفعل بالثقافة، وتُحرَّك بالسياسة.
إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط أن نسأل "من يصنع وعينا الجمعي؟" بل كيف نصنعه نحن، بشكل تشاركي، نقدي، منفتح، بعيدًا عن الاصطفافات الأيديولوجية، أو الاستقطاب العاطفي، أو تسييس الوعي لحساب هذه الجهة أو تلك. وعيٌ يعترف بالتعدد، ويرحّب بالاختلاف، ويقدّس العقل، دون أن يفقد إيمانه بالقيم.
ذلك هو الوعي الذي نحلم به: وعي يُفكّر، لا يُقلّد. يُجادل، لا يُسلّم. يقرأ، لا يُلقّن. وعيٌ يبني وطنًا متماسكًا، لا جماعات منفصلة تحت سقف واحد. وعيٌ يستحق أن يُنسب لأردن المستقبل، لا أن يُختزل في أزمات الحاضر..



