خبرني - كنتُ أحضر مؤخرًا محاضرة عن التكنولوجيا وأهميتها في حياتنا المعاصرة، وتوقف المحاضر عند مفهومٍ لافتٍ سمّاه "الحضور الرقمي – Digital Presence". وفي تلك اللحظة، سرحتُ بعيدًا بهذا المفهوم: ما هو؟ ومن أين أتى؟ وما أبعاده الحقيقية في عالمٍ يتغيّر كل يوم؟ هل هو واقع ملموس أم مجرّد وهم افتراضي نصنعه لأنفسنا؟ وهل يعزز وجودنا الفعلي أم يلغيه؟ أسئلة كثيرة بدأت تتناثر في ذهني، جعلتني أرى أن الحضور الرقمي ليس مجرد مصطلح عابر، بل هو انعكاسٌ لتحوّلٍ عميقٍ في الطريقة التي نعيش بها ونُعرّف أنفسنا بها أمام الآخرين.
في البداية لا بد لنا ان نعترف اننا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه الإيقاع وتختلط فيه الواقعية بالافتراضية، حيث أصبح مفهوم الحضور الرقمي Digital Presence جزءًا أساسيًا من هوية الإنسان المعاصر. لم يعد التواجد عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي Social Media مجرد رفاهية أو تسلية، بل تحول إلى ضرورة مهنية وشخصية تفرضها طبيعة العصرومتطلباته، وتكشف عن صورة الفرد أمام العالم. إنه النافذة التي تطل منها على الآخرين، والمرآة التي يرونك من خلالها، مهما كان عمرك ومستوى دخلك أو وضعك الاجتماعي وسواء كنت خبيرًا، قائدًا، طالبًا للفرص، أوصانع قرار.
فاليوم يبحث الناس عن الشخص قبل أن يتعاملوا معه، ويقرأون فكره قبل أن يسمعوا صوته. اذن حضورك الرقمي هو سيرتك الذاتية المستمرة، التي تكتبها أنت كل يوم من خلال منشوراتك، تعليقاتك، ومشاركاتك .بل انها اصبحت معيارا" لمدى تفاعلك مع العالم من حولك، ومؤشرًا على وعيك بالتغيرات في بيئة العمل والاتصال. فمن خلال تواجدك الرقمي يمكنك ان تبني شبكة علاقاتك الشخصية والمهنية، وتفتح امامك ابوابا" لفرص جديدة لم تكن لتُتاح لولا وجودك الرقمي الواعي.
وبالرغم من اهمية هذا المفهوم، الا انه يبرز سؤال جوهري: مَن أَهَمُّ الحضور الفعلي أَمِ الحضور الرقمي؟
فالأجيال السابقة كانت تبني حضورها من خلال العمل الميداني، الحضور في الاجتماعات، والمواقف الواقعية التي تُثبت الخبرة والقدرة، بينما الأجيال الجديدة تبني حضورها في العالم الافتراضي، عبر المنصات والمنشورات والمحتوى المرئي. الجيل الأول كان يُعرف بإنجازاته التي تُرى على الأرض، أما الجيل الرقمي فيُعرف بإنجازاته التي تُتابع على الشاشة.
ومع ذلك، لا يمكن لأيٍّ من الحضورين أن يُلغي الآخر، فالقيمة الحقيقية تكمن في التوازن بين الحضور الفعلي الذي يصنع الأثر الواقعي والحضور الرقمي الذي يوسّع دائرة هذا الأثر ويخلّده. من ينجح في الجمع بينهما هو من يمتلك التأثير الكامل في عصر متداخل الحدود.
من أبرز إيجابيات الحضور الرقمي أنه يمنح الإنسان مساحة واسعة للتعبير عن ذاته وإبراز قيمه ومهاراته أمام جمهور متنوع دون قيود مكانية أو زمنية، فيتعلّم من تجارب الآخرين ويكوّن شبكة علاقات مهنية واسعة تبني له سمعة قوية وتفتح أمامه فرصًا جديدة. كما يمنحه هذا الحضور صوتًا مسموعًا في القضايا التي يؤمن بها، ويتيح له التأثير في مجاله ومجتمعه بأسلوبه الخاص. غير أن هذا الوجه المضيء قد يحجبه جانب آخر إذا تحوّل الحضور إلى عبء أو استعراض، فالإفراط في التواجد الرقمي دون هدف يضعف المصداقية ويشوّش الصورة، والمبالغة في مشاركة التفاصيل الشخصية أو المهنية قد تعرّض صاحبها للنقد أو تفقده خصوصيته. بل إن الانشغال بالمظاهر الرقمية أحيانًا يجعل الإنسان حاضرًا في العالم الافتراضي وغائبًا عن واقعه الحقيقي.
إن بناء حضور رقمي متوازن يتطلب وعيًا وانضباطًا. فكما تهتم بمظهرك وسلوكك في الحياة اليومية، عليك أن تهتم بما تمثله على المنصات الإلكترونية. اجعل كلماتك انعكاسًا لقيمك، ومشاركاتك تجسيدًا لخبرتك، وتعليقاتك مرآة لاحترامك للآخرين.
لا تَكْتُبْ لتنالَ الإعجابَ، بل لتصنعَ أَثَرًا. ولا تَظْهَرْ لتُرَى، بل لتُفْهَمَ وتُلْهِمَ.
في النهاية، حضورك الرقمي مهم لأنه يعكس من أنت، ويمهد لما ستكون عليه. هو مساحة للفرص والتأثير، لكنه أيضًا اختبار للنضج والمسؤولية. كن حاضرًا بعقل واعٍ، وصوت متزن، وقلب صادق، فالعالم الرقمي لا ينسى، والتاريخ هناك يُكتب بالحروف التي تنشرها اليوم.



