*
الاحد: 15 فبراير 2026
  • 14 فبراير 2026
  • 22:49
الفنجان الخامس وصمتُ رمضان
الكاتب: أ. د. بسام الشخريت

في بعض البيوت، يأتي رمضان بهدوء، يطرقُ الأبوابَ بصمت، يحملُ معه الذكريات أكثر من الاحتفالات، ويجلس على كرسيٍّ فارغٍ يُذكِّر صاحبه بمن غابوا. لكنه، رغم صمتِ البيت وغيابِ الأصوات، يظل شهر البركة والمغفرة، يشق طريقه إلى القلب، يلمس الروح، ويترك أثره في لحظات صغيرة… حتى لو كان ذلك الأثر ثقيلاً ومؤلماً.
في بيتِ أمين، لم يعد رمضان مجرد فرحةٌ تُصنعُ بالضحكات، بل أصبح تذكيراً بالغياب المُطْلَق وبحقيقةٍ أن الحب أحياناً بلا مستقبل. أمين لم يكن يتألم من الغياب المفاجئ، بل من أن الغياب أصبح نهائياً، صار قانوناً صامتاً لا يُغيَّر. صمتُ الألم أثقلُ من أي صرخة، والبيت صامتٌ كأثاثٍ قديم، كصورةٍ على الجدار لا يعرف أحد من وضعها هناك.
قبل خمسة أيام من رمضان، جلس قرب النافذة. نسيمُ الفجر البارد دخل، يحمل رائحة التراب بعد المطر وعَبَقَ القهوة العربية. كان يوماً إعلانُ حياة، واليوم إعلانُ غياب، لكنه لم يمنع رمضان من أن يكون حاضراً، يلمس قلبه… لكنه يتركه مُثقلاً بذكرياتٍ لم تعد موجودةً على أرض الواقع.
أغمض عينيه وتذكَّر ليان، سندس، أمل، وسهيل. رأى ليان تتحرك بين الغرف بابتسامةِ الماضي، وسندس تضيف لمساتها الخفية، وأمل تقلد أخواتها، وسهيل يسأله دوماً عن الهلال. فتح عينيه ببطء. الغرفة صامتة. الكرسي القديم صامت. الصمت لا يرحم.
أربعُ أرواحٍ كانت تملأ حياته دفئاً. اليوم، بعد أكثر من عشرين عاماً، لم يبقَ سوى الفراغ. الطلاق لم يكن مجرد نهاية علاقة، بل بدايةُ موتٍ يوميٍّ لكل شيء جميل في البيت. لم يخسر زوجته فقط، بل أبناءَه أيضاً. كل الحب والاهتمام والمصاريف لم تمنعهم من أن يرفعوا حاجزاً من الرفض والبرود أمامه. أصبح أباً بلا صوتٍ، بلا خطواتٍ، بلا أحدٍ يناديه، بلا أي فرصة لتلمس دفءَ الماضي مرة أخرى.
نهض أمين نحو المطبخ، خطواته ثقيلة كقلوب الغائبين. فتح الخزانة، أخرج خمسة فناجين، وضعها على الطاولة، وحدَّق بها طويلاً. مدَّ يده إلى الفنجان الأول، لكنه تراجع فجأةً، وسحب الفنجان بعيداً. الصمتُ أصبح أكثر وضوحاً من أي كلمة.
أمسك الفنجان الخامس بحذر، انزلق بين أصابعه، ارتطمت القهوة بالصحن. الفنجان صار صامتاً، لكن ثقل الغياب أصبح محسوساً كالحديد على قلبه. جلس قرب النافذة، ينظر إلى الكرسي المقابل، كأن الانتظار نفسه أصبح شكلاً من الحب…  حبٌّ مجروحٌ إلى الأبد.
تدفَّقَ الماضي في ذهنه بلا توقف: أول فرحة أبيها "ليان" تصنعُ القهوة في الصباح الباكر، تضع قطعةً من البسكويت على الطبق: "خذ هذه يا تاج الراس لتصبح بداية يومك أحلى". دلوعة والدها "أمل" تقلد أخواتها وتضحك بصوت يملأ البيت ضوءاً. أما نجمة أبيها "سندس" تقدم لمساتها الصغيرة دون أن يلاحظها أحد. ثم "سهيل"، عِزُّ أبيه وسنده، يسأله: "أبي، هل سترى الهلال الليلة؟"
لكن اليوم، كل هذه الصور صارت صامتة. الحبُّ موجودٌ، لكنه بلا مستقبل، بلا حضور، بلا أمل. الفنجان الخامس شاهدٌ على كلِّ ما مضى، وكل ما لن يعود. أمين يلمسه بحذر، وكأنه يحاول الإمساك بما فَقَدْ، لكنه يعرف أن الفقد صار نهائياً.
في أول يوم من رمضان، أعدَّ طعامه كما اعتاد. وضع التمر على الطاولة، سكب الماء، جلس ينتظر الأذان. وعندما ارتفع الصوت، رفع تمرةً بيده، لكنه لم يأكلها فوراً. بقيت معلقة بين يده وفمه، كأنه ينتظر شيئاً لن يأتي أبداً. الطَّعمُ لم يعد كما كان. السبب لم يكن التمرة، بل الغياب الأبديّ لأولئك الذين كانوا يمنحونها معنى.
مرت الأيام، كل يوم يشبه الآخر، لكنه أضاف لمسات صغيرة تعيد الحياة إلى البيت الصامت: رتب الزينة، أضاء الشموع، وضع الفواكه على الطاولة كما كانت تفعل ليان، بابتسامة خفيّة لا يعلم بها أحد سوى قلبه.
ليلاً، وقف عند نافذته. المدينة مضاءة، المآذن ترفع أصواتها، وبيته غارق في صمت يعرفه جيداً. رفع يديه بالدعاء: لم يطلب عودتهم، لم يسأل عن سبب الابتعاد، دعا لهم بالخير… كما كان يفعل دائماً، رغم أنه يعلم أن هذه الدعوات لن تغير شيئاً.
وفي قلبه، بقي الفنجان الخامس صامتاً … يحمل كل ما كان، وكل ما لن يكون أبداً. الحب موجود، نعم، لكنه حبٌّ بلا لقاء، حبٌّ بدون أمل، حبٌّ مجروحٌ بثقلِ الفراغ.
وفي كل صباحٍ، حين يتسلل نسيم الفجر عبر نافذته، تَهرُبُ ذاكرته سريعاً إلى ليان، سندس، أمل، وسهيل… أما هُمْ، فقدْ مَحوا الطريق إلى حياته كما تمحو الريح أثرها على الرمال. بقي أمين وحيداً: كرسيه المهجور، فنجانه الخامس البارد، وذكرياته التي تتسلل بين أصابعه كالرماد… تهمس له أن بعض الحب لعنةٌ لا تُغتفر، وأن الفراغ صار حضوره الوحيد، صاخباً بثقله، صادقاً بوحشته، حاملاً كل وجعِ قلبٍ لم يُشْفِه الزمن، وكل صرخة لم تُسمع.
الفنجان الخامس بقي صامتاً، بارداً، كأنه قبرٌ صغيرٌ على الطاولة، يشهدُ على موتِ كل ما أحبَّه أمين. صمتُه أكثر قسوةً من أي بكاء، والبيت صار خاوياً، كجثةٍ بلا روح، وأصوات ضحكاتهم تاهت في أرجائه كما تتلاشى الريح بين الصخور. نسيمُ الفجر يمر، لا يحمل سوى الذكريات الميتة، والمدينة المضيئة بالخارج كأنها حياةٌ تخص الآخرين فقط. أمين يجلس، يحدق في الفراغ، يعلم أن الزمن لم يعد يُصلح شيئاً، وأن الحب الذي بقي لم يعد سوى رماد على قلبٍ منكسر. هنا، في صمت الليل البارد، يصبح الحلم جريمةً مستحيلة، والحنين عبئاً ثقيلاً لا يحتمل، وكل ما تبقى له هو فنجانٌ خامس لا يشربه أحد… وصوتُ قلبه الصامت يهمس بأن الحياة بدونهم صارت سجناً بلا أبواب، وأن الأمل مات قبل أن يغادر رمضان، تركه وحيداً، محاطاً بموتٍ صغيرٍ يرافقه في كل يومٍ جديد.

مواضيع قد تعجبك