خبرني - يا لها من منظومة عظيمة تلك التي تُدعى "حقوق الإنسان"! تُعلَّق في المحافل، تُطرَّز على أعلام الأمم المتحدة، وتُوزَّع في المؤتمرات كما تُوزَّع الابتسامات الزائفة على موائد الكوكتيل. يتغنون بها، يُدرِّسونها، يبكون من أجلها على شاشات الأخبار ثم، بكل أناقة، يدوسونها بحذاء عسكري لامع في أول زقاق مظلم في غزة، أو على قارعة طريق في الحديدة. العالم الحرّ، يا سادة، حرّ فعلًا... في انتقاء ضحاياه. حرّ في إحصاء جثث الأطفال وفق البوصلة السياسية. طفل في أوكرانيا؟ ملائكة السماء تنوح لأجله. طفل في غزة؟ مجرد رقم يختبئ بين ركام. شيخ يمني يموت في قصف نفطي؟ خسارة ثانوية من أجل "حرية الملاحة". أما الحرية نفسها، فهي مربوطة بسلسلة حديدية في مخزن تابع للأسطول الأمريكي. لقد أصبح "التحضر" وجبة سريعة تُقدم على ظهر طائرات F-16، و"السيادة الوطنية" نكتة تُقال في الجلسات الدبلوماسية لتخفيف وطأة القصف. إسرائيل، على سبيل المثال، لا تُقصف، لا تُحاسب، لا يُؤشر عليها حتى بخنصر، لأنها ببساطة عضو شرفي في نادي "الاستثناء الأخلاقي". أما من يقف ضدها، فإرهابي، متخلف، وناكر للحداثة. وفي مشهد عبثي، يقف قادة عرب – أو ما تبقى منهم – في طوابير متناسقة كطلاب ابتدائية في طابور الصباح، ينتظرون إشارة من البيت الأبيض ليقرروا موقفهم من دم شعوبهم. بعضهم فقد الشجاعة حتى في استخدام صيغة التنديد الروتينية ، وآخرون ظنّوا أن الصمت حكمة، والحياد فضيلة، متناسين أن الحياد في وجه المذبحة ليس إلا شراكة صامتة في الجريمة. أما الشعوب، فتعيش على هامش النشرات، تعيد نشر صور المجازر مع رموز تعبيرية حزينة، وتنتظر معجزة تأتي من العدم، في حين أن الواقع يقول إن العدم نفسه قد أعلن إفلاسه. حقوق الإنسان اليوم ليست إلا بطاقة دعوة لانتقائية دولية، تُستخدم عند الحاجة وتُخفى عند الضرورة، تُرفع على وقع المصالح وتُسحب تحت ظلال الطائرات. لم تعد تلك القيم النبيلة التي كنا نرددها في المدارس والجامعات والمنتديات الفكرية ، بل تحولت إلى سلعة تُباع وتُشترى في أسواق المصالح الكبرى. وفي النهاية، لم يبقَ لنا إلا أن نكتب على جدران هذه الكارثة بدم الضحايا: "هنا دُفنت حقوق الإنسان، بعدما خنقها صمت العالم ودفنها نفاق النظام الدولي." لم تكن كذبة كبرى فقط، بل كانت خيانة موثقة بالصمت، ممهورة بتوقيع من صدّروا القيم ليتاجروا بها. ولأن التاريخ لا ينسى، ولأن الجغرافيا لا تُرحم، سيأتي يوم تُسقط فيه هذه الأقنعة، ويحاسب فيه القاتل والمُتواطئ، لا أمام محكمة دولية رخوة، بل أمام شعوب ستثور عندما لا يتبقى لها شيء لتخسره... سوى خوفها..



