*
الثلاثاء: 27 يناير 2026
  • 24 أيلول 2025
  • 19:13
الدكتور المحيسن يكتب  آن الأوان لعمّان أن تتنفس عمودياً
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

خبرني - في قلب هذا الامتداد الحضري المتسارع، وفي ظل زحام الطرق وضجيج الأبنية المتلاصقة، تقف عمّان على عتبة تحوّل حتمي؛ تحوّل يعيد إليها شيئاً من توازنها البيئي المفقود، ومن روحها التي خنقها الإسمنت وزاحمتها الأبراج الخرسانية. لقد ضاقت المدينة بأحلامها الخضراء، وتقلصت حدائقها في غمار سباقٍ عمراني لا يلتفت كثيراً إلى ما تهمس به الأرض من حاجات، وما تطالب به السماء من هواءٍ نقي وظلال وارفة.
في هذه الظروف، تولد فكرة "التنفس العمودي" كاستجابة ذكية وجديدة. فحين نفكر في "التنفس" للمدينة، نتخيل عادةً المساحات المفتوحة والحدائق التي تتيح للهواء أن يتحرك بحرية وتتنفس الأرض خضرتها. لكن ماذا لو قلنا إن التنفس هنا ليس فقط أفقياً عبر المساحات الأرضية، بل يمكن أن يكون عمودياً؟ أي أن الجدران والشرفات وحتى أسطح المباني تصبح كأنفاس المدينة الجديدة، تُزهر نباتات وتكتسي بالخضرة، فتتنفس عمّان من أعلى إلى أسفل، وتعوض ما فقدته من مساحات على الأرض. هذا التنفس العمودي يُعيد إلى المدينة حيويتها، ويخلق توازناً بين الإسمنت والطبيعة في مساحة محدودة، يمنحها هواءً أنقى، وبيئة أكثر صحة، وجمالاً يعانق السماء.
إن دعوة عمّان لتتنفس عمودياً ليست نداءً شاعرياً فحسب، بل هي ضرورة حضرية، وإجابة عقلانية على تحديات بيئية تتفاقم كل يوم. لقد بات من غير الممكن الاستمرار في تجاهل الندرة المتزايدة للمساحات الخضراء، ولا يمكن لعاصمة تنمو بهذه الوتيرة أن تواصل الزحف الأفقي دون أن تختنق. من هنا، تبرز الحدائق العمودية كخيار استراتيجي وذكي، يمنح المدينة فرصةً جديدة للحياة، ليس فقط من فوق الأرصفة، بل من الجدران والشرفات والأسطح أيضاً.
في عالمٍ تتشابك فيه خيوط التغير المناخي مع متطلبات الحياة الحضرية، تبدو الجدران الخضراء والواجهات المزروعة أكثر من مجرد زينة. إنها رئة جديدة للمدينة، تسهم في تصفية الهواء من الغبار والملوثات، وتُلطّف درجات الحرارة التي أصبحت أكثر قسوة في مواسم الصيف. هي دروع نباتية ناعمة تقف في وجه الضجيج، وتخفف من انعكاسات الجدران الصمّاء على النفس والروح.
الحدائق العمودية ليست حكراً على العواصم الكبرى أو على المدن التي سبقتنا في إدراك العلاقة المتينة بين الجمال والاستدامة. هي مشروع قابل للتحقق في عمّان، شرط أن تُفتح له نوافذ الإرادة وتُسند بحوافز تشريعية ومجتمعية. فليس المطلوب فقط أن نزرع نباتاً على حائط، بل أن نزرع وعياً جديداً في العقول والقلوب، يؤمن بأن المدينة الخضراء ليست ترفاً عمرانياً، بل حاجة إنسانية، ومطلب حضاري.
لنتخيل معاً عمّان وقد بدأت تخضرُّ من أعلاها، من نوافذها، من شرفاتها التي طالما كانت صامتة، ومن جدرانها التي اعتادت أن تكون جافة وعارية. لنتخيل الأطفال وهم ينظرون من نوافذ مدارسهم إلى جدران مكسوّة بالنباتات، بدلاً من كتل الإسمنت القاتمة. لنتخيل المستشفيات وقد التفّت بها النباتات الطبية، والجامعات وقد اكتست مدرجاتها الخشبية بأغصانٍ خضراء تهمس بالأمل. أليس هذا ما تستحقه مدينة الجبال والضوء؟
إن إدخال الحدائق العمودية إلى عمّان ليس حلماً بعيد المنال، بل هو خطوة قابلة للتنفيذ، إذا ما توفرت الرؤية والدعم والتخطيط السليم. وهو مشروع لا يتطلب استثمارات خيالية بقدر ما يحتاج إلى شراكة واعية بين المواطن والمخطط، بين المهندس وصانع القرار، بين الساكن والحيّز الذي يعيش فيه. فكل شرفة يمكن أن تتحول إلى حديقة صغيرة، وكل جدار يمكن أن يصبح لوحةً نباتية، إذا ما آمنا بفكرة التغيير وأعطينا الطبيعة فرصة للعودة إلى حياتنا.
آن الأوان لعمّان أن تتنفس عمودياً، لا فقط لتحيا المدينة، بل ليحيا معها الإنسان. آن الأوان أن نستبدل صخب الإسمنت بصمت الأوراق الخضراء، أن نعيد تعريف الجمال في مدينتنا، لا بوصفه رفاهية للعين، بل بوصفه غذاءً للروح، ودواءً للبيئة، وأسلوباً للحياة.
لقد تأخرت هذه الخطوة كثيراً، لكنها ما زالت ممكنة. فلنمنح عمّان فرصةً لتتنفس.. ولو عمودياً..

مواضيع قد تعجبك