*
الاثنين: 26 يناير 2026
  • 24 أيلول 2025
  • 09:58
الكفيف ومنصب القضاء
الكاتب: أشرف أحمد العدوان


خبرني - أشرف أحمد العدوان 
مستشار قانوني      
 
تعقيب قانوني على قضية الدكتورة الفاضلة تقى المجالي التي رُفض طلب تقدمها لامتحان المعهد القضائي بحجة اعاقتها البصرية، التي كشفت بجلاء الحاجة إلى تطوير الفهم التشريعي والإداري لمسألة تعيين ذوي الإعاقة البصرية في السلك القضائي.
أثار قرار الجهات المختصة في الأردن مؤخرًا برفض السماح للفاضلة تقى المجالي، الكفيفة البصر، بالتقدم لامتحان القبول في المعهد القضائي الأردني جدلاً واسعًا بين رجال القانون والمهتمين بالشأن الحقوقي. وتكمن أهمية النقاش في التمييز بين ما هو نص تشريعي صريح وما هو اجتهاد إداري أو عرف وظيفي، وبين ما يفرضه الفقه الإسلامي وما انتهت إليه التجارب القانونية المقارنة.
وبالتعريج على رأي الفقه الإسلامي في هذه المسألة نجد أن الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): اشترطوا سلامة الحواس للقاضي، وبخاصة البصر، استنادًا إلى حاجة القاضي للتمييز بين الخصوم، ومعاينة البينات والقرائن بينما رأي الحنفية فقد أجازوا تعيين الكفيف إذا كان قادرًا على استيعاب ما يُعرض عليه بالسمع، مؤكدين أن جوهر القضاء هو سماع الدعوى وضبط الشهادة، وهو أمر قد يتيسر للكفيف مع قوة الحفظ ودقة الفهم وهذا الخلاف الفقهي يفتح باب الاجتهاد في ضوء تطورات العصر، خاصة مع توافر الوسائل التقنية الحديثة التي تعين الكفيف على أداء مهامه بكفاءة.
وبالذهاب في جولة سريعة في القوانين المقارنة وتجارب الدول نجد أن الاتحاد الأوروبي وفي نص التوجيه 2000/78/EC على منع التمييز بسبب الإعاقة، أوجب توفير “التكييفات المعقولة” للأشخاص ذوي الإعاقة في العمل، بما يشمل الوظائف القضائية، وفي المملكة المتحدة أوجب قانون المساواة 2010 إجراء تعديلات معقولة لتمكين ذوي الإعاقة من ممارسة وظائفهم، وأكدت الوثائق الإرشادية أن ذلك ينطبق على القضاء. أما في الولايات المتحدة فإنه بموجب قانون الأميركيين ذوي الإعاقة (ADA)، لا يجوز استبعاد المرشحين المؤهلين بسبب إعاقتهم. وقد شغل قضاة مكفوفون مناصب رفيعة، مثل القاضي ريتشارد برنستين في المحكمة العليا لولاية ميشيغان، وقضاة اتحاديين آخرين.  وفي باكستان فقد سُجّل عام 2018 تعيين القاضي الكفيف يوسف سليم بعد تدخل المحكمة العليا، التي أكدت أن فقدان البصر لا يمنع الأهلية بينما في البرازيل شهد القضاء العمالي منذ عام 2009 تعيين القاضي الكفيف ريكاردو تاديو ماركيز دا فونسيكا، في تجربة سبّاقة على مستوى أمريكا اللاتينية. وهذه السوابق تؤكد أن التكييفات التقنية (برامج القراءة الآلية، الكتابة بطريقة برايل، الدعم الإداري) أزالت الحواجز التقليدية التي كانت سببًا في المنع.
وبالعودة الى القانون الأردني وبمراجعة قانون استقلال القضاء الأردني رقم 29 لسنة 2014 وقانون تشكيل المحاكم الشرعية رقم 19 لسنة 1972، يتضح أن من شروط التعيين الجنسية الأردنية، بلوغ السن القانونية، المؤهل العلمي القانوني، حسن السمعة وخلو السجل من الجرائم المخلة بالشرف، اجتياز الامتحانات المقررة ، التمتع بالشروط الصحية للتعيين. ولا نجد في أي من هذه القوانين نصًا صريحًا يشترط سلامة البصر أو يمنع الكفيف من التعيين. إنما يقتصر الأمر على شرط عام هو “الشروط الصحية”، وهو شرط فضفاض يمكن أن يُفسَّر بطرق متعددة، ولا ينهض بذاته كسبب مانع قطعي وبالتالي من حيث النص لا يوجد في التشريعات الأردنية ما يمنع الكفيف من الترشح للقضاء صراحة ومن حيث الاجتهاد الإداري يبدو أن الرفض استند إلى تفسير واسع لعبارة "الشروط الصحية للتعيين"، دون وجود نص واضح ومن حيث المقارنة فإن  الاتجاه الدولي هو الإباحة مع التكييفات، لا الاستبعاد المطلق، انسجامًا مع مبادئ المساواة وعدم التمييز ومن حيث الفقه نجد أن القول بجواز تعيين الكفيف قائم عند السادة الأحناف ، وهو ما ينسجم مع التطور التقني الذي أزال العلة في رأي الجمهور علماً بأن المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي في الأردن .
وعليه فإن رفض السماح للفاضلة تقى المجالي بالتقدم لامتحان المعهد القضائي الأردني لا يقوم على نص تشريعي مانع، بل على اجتهاد إداري قابل للمراجعة وبالنظر إلى الفقه الإسلامي المقارن، والتجارب العالمية، والمبادئ الدستورية الأردنية ذاتها التي تكفل المساواة وعدم التمييز، فإن تعيين الكفيف في منصب القضاء يجوز قانونًا وشرعًا متى ثبتت أهليته العلمية والعملية.
وعليه، فإن التوصية تكمن في إعادة النظر في تفسير شرط “الشروط الصحية للتعيين” بحيث لا يُستعمل كأداة للإقصاء وتمكين ذوي الإعاقة البصرية من الترشح للمناصب القضائية مع توفير التكييفات التقنية والإدارية اللازمة وتعزيز الاجتهاد التشريعي الأردني بما ينسجم مع الاتفاقيات الدولية ومبادئ العدالة.

مواضيع قد تعجبك