*
الاحد: 25 يناير 2026
  • 25 يناير 2026
  • 16:19
الشجرة المتجذرة إذ تقلم أغصانها
الكاتب: عماد داود

حين تعود الشجرة المتجذرة في التربة والوجدان إلى تقليم أغصانها، فهي لا تناقش جذورها بل تؤكدها؛ لأن الأشجار الحكيمة تفهم أن البقاء ليس الوقوف الجامد، بل هو النمو باتجاه الضوء مع تثبيت القدم في الأعماق! وهكذا أفهم قرار الهيكلة الذي لم يأت مراجعة للعهد الهاشمي مع الأردنيين؛ بل جاء ترجمة عصرية لفلسفة هذا العهد المتمثلة في أن الوفاء لا يكون بتكرار الصيغ، بل باختراع وسائل جديدة للوفاء!

جيشنا العربي ليس مؤسسة عسكرية فحسب؛ بل هو الفرع الأكثر صلابة لتلك الشجرة المتجذرة، وعندما يقرر القائد الأعلى تقليمه وتنظيمه، فهو لا يبحث عن "عقد مكسور" بل يبحث عن "لغة جديدة" لنفس العقد القديم. لأن العهد الهاشمي مع هذه الأرض لم يكن يوماً ورقة قابلة للتمزق، بل كان روحاً تسري في الجسد الوطني، والروح لا تُهيكل، لكن الجسد يجب أن يظل لائقاً لحملها في زمن تغيرت فيه أشكال التحدي. من هنا تتحول الهيكلة من عملية إدارية إلى فعل دلالي: الدولة التي تملك شرعيتها التاريخية لا تخشى من مراجعة أدواتها، لأن مراجعة الأدوات دليل قاطع وجامع ومانع وإثبات قوي للثقة بالجوهر!

لكن، السؤال الحقيقي ليس: لماذا التغيير الآن؟ بل هو: كيف تحول دولة -شرعيتها أخلاقيةٌ قبل أن تكون سياسية- الوفاء العاطفي إلى كفاءة مؤسسية، وكيف تحول الشجاعة الفردية إلى ذكاء جمعي؟ هذا هو -برأيي- التحول الجوهري في فهم القوة: القوة التي تريد أن تستمر يجب أن تتغير. الملك الذي يرث جيشاً مثقلاً بانتصارات الماضي -في كافة الميادين- يعرف أن أكبر خيانة لهذا الماضي هي تجميده في متحف، بينما الوفاء الحقيقي له يكمن في جعله قادراً على صناعة انتصارات جديدة بلغة العصر!

لطالما كان الميدان مختبر الشرعية الحقيقي، لكن الميدان اليوم لم يعد أرضاً ممتدة فقط، بل أصبح فضاء رقميا ومساحةً نفسية، والجيش الذي يُهيكل ليواجه هذه الساحات المتعددة لا يبتعد عن جوهره، بل يوسع من تعريف الجندية نفسها: من حامل السلاح إلى حامي السيادة بمفهومها الشامل.

 والتقنية هنا ليست غايةً بل وسيلة، ليست قطيعة مع الماضي بل جسر له، فالمجنّد الذي يتعلم البرمجة اليوم هو الابن الشرعي للجندي الذي حفر الخنادق بالأمس!

وهنا تكمن الحكمة الخلدونية في القرار: الدول كالكائنات الحية، تمر بأطوار، والعصبية التي تبني الدولة يجب أن تتحول من عصبية الدم والقبيلة إلى عصبية الكفاءة والانضباط المؤسسي، والهيكلة بهذا المعنى هي انتقال الجيش من "عصبية الولاء والانتماء التقليدية" إلى "عصبية الكفاءة العصرية" مع الحفاظ على الروح نفسها، تماما كما النهر الذي يغير مجراه أحياناً لكنه يظل محتفظاً بمائه!

لا يخفى على عين المراقب أن المنطقة تحترق ببطء، وأن الدول التي ستنجو هي التي تعيد تعريف جيوشها من أداة ردع كمي إلى آلة تفكير نوعي. والقرار الأردني يذهب أبعد من ذلك: فهو يحول الجيش من مؤسسة معزولة إلى مؤسسة تنموية تنتج الأمن والقيم معاً، فالجيش هنا يصبح أداة بناء وليس فقط أداة حماية، وهذا هو التجديد العميق في العلاقة: المواطن لا يرى في جيشه قوة قمع محتملة، بل قوة إنتاج فعالة!

ولكن هل سيكون التحول شاملاً أم سطحيّاً؟ هل ستتغير العقيدة العسكرية بنفس سرعة تغير الهياكل؟ لأن أخطر ما في الهيكلة أن تصبح واجهة جديدة لعقلية قديمة، كأن تلبس الجيش ثوباً رقمياً بينما قلبه لا يزال ينبض بلغة القرن الماضي. وهذا هو التحدي الذي يواجه كل تجديد في الكيانات العميقة: كيف تتغير دون أن تنقطع عن نفسها؟

 الشجرة المتجذرة التي تقلم أغصانها لا تفعل ذلك مرة واحدة، بل تجعل من التقليم نظام حياة. والدولة الدائمة هي التي تفعل الشيء نفسه: تجعل من مراجعة أدواتها طقساً مستمراً، لأن التحدي الأكبر ليس في قرار الهيكلة، بل في تحويل الهيكلة إلى عقلية، وفي جعل الجيش العربي لا يحمي الأرض فقط، بل يحمي قدرة الأردن على التطور في عالم لا يرحم إلا الذين يتطورون دون أن يتنازلوا عمن هم!

مواضيع قد تعجبك