*
الاثنين: 19 يناير 2026
  • 22 أيلول 2025
  • 19:47
الأمة العربية أمام واجب الإسناد لمصر
الكاتب: الدكتور ماجد عسيلة

خبرني - لم يعد التحدي الذي تواجهه الشقيقة مصر مقتصرا على أزمة سد النهضة وما يحمله من تهديد وجودي لأمنها المائي، ولا على انقطاعات الغاز القادمة من الشمال التي تضرب قطاع الطاقة والاقتصاد، بل على اجتماع هذين الخطرين في لحظة إقليمية حساسة، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويجعل مصر أمام اختبار تاريخي في إدارة ملفي البقاء: "المياه والطاقة".
سد النهضة الذي أتمت إثيوبيا تشغيله بشكل منفرد، دون اتفاق قانوني ملزم، لا يمثل مجرد مشروع لتوليد الكهرباء في إفريقيا، بل أداة ضغط استراتيجية تهدد حصة مصر التاريخية من مياه النيل، العمود الفقري لحياتها وزراعتها واقتصادها، ومع كل تعبئة أو تشغيل أحادي تتجدد المخاوف من تقليص التدفقات نحو مصر، خاصة في فترات الجفاف، ما قد يفتح الباب أمام أزمات غذائية واجتماعية عميقة.
في المقابل وجدت مصر نفسها أمام معضلة لا تقل خطورة في تقلب إمدادات الغاز من إسرائيل، المصدر الرئيس لتغطية فجوة الطلب المحلي، ومع كل توقف أو تقليص تضطر القاهرة إلى استيراد الغاز المسال بأسعار مرتفعة، أو الاعتماد على وقود بديل أقل كفاءة وأكثر تكلفة، بما يرهق الموازنة العامة ويضاعف من ضغوط التضخم على المواطن.
خطورة المشهد لا تكمن في كل تهديد على حدة، بل في الترابط بينهما؛ فبينما يهدد السد أمن مصر المائي ويضغط على غذائها، يضيف الغاز معضلة الطاقة والاقتصاد، لتجد البلاد نفسها محاصرة بين سيفين.. والأخطر أن هذه الضغوط تأتي في مقابل محاولة دفع مصر لقبول تهجير الفلسطينيين من غزة، ما يجعلها مواجهة سياسية وأخلاقية مزدوجة، إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والأمنية.
وفي هذا السياق يبرز أهمية الدعم العربي المطلق للشقيقة الكبرى مصر، كعنصر حيوي لاستقرارها وأمنها القومي، فقد أكدت العديد من الدول العربية موقفها الثابت في دعم حقوق مصر المائية والطاقة، ومساندتها في مواجهة أي تهديد قد يمس حصتها من النيل أو يعطل أمن الطاقة فيها، وهو ما يعزز قدرة القاهرة على مواجهة الضغوط الخارجية دون التفريط في مصالحها الوطنية أو التزاماتها الأخلاقية والعروبية تجاه القضية الفلسطينية، ويشمل الدعم العربي التضامن السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، والمساندة الاقتصادية والإستراتيجية، ما يمنح مصر قدرة إضافية على حماية استقرارها الداخلي والإقليمي.
ورغم هذا الواقع المعقد، لا تزال لدى مصر أوراق قوة لا يستهان بها وفي مقدمتها دبلوماسية نشطة تعيد طرح ملف السد على المجتمع الدولي بوصفه تهديدا وجوديا، وتضغط لانتزاع اتفاق قانوني ملزم وايجاد استراتيجيات للطاقة تسعى إلى تنويع المصادر، من استثمارات جديدة في الطاقة المتجددة، إلى محطات للغاز المسال وبنى تحتية بديلة، مع القيام بإصلاحات داخلية في إدارة الموارد المائية، عبر مشروعات التحلية وإعادة الاستخدام وترشيد الاستهلاك.
إن التحدي الأكبر أمام القاهرة اليوم ليس فقط مواجهة السد أو الغاز، بل كيفية تحويل الضغط المزدوج إلى فرصة لإعادة رسم معادلة أمنها القومي، مع الحفاظ على موقفها الأخلاقي والسياسي والقومي تجاه غزة، مدعومة بالدعم العربي المطلق الذي يمثل سندا قويا في مواجهة أي تهديد خارجي، فمصر التي صمدت عبر تاريخها في وجه تهديدات كبرى، تدرك أن معركة المياه والطاقة ليست معركة وقتية، بل معركة وجود تتطلب يقظة سياسية واقتصادية وشعبية طويلة النفس.

مواضيع قد تعجبك