*
الثلاثاء: 03 فبراير 2026
  • 15 أغسطس 2025
  • 23:24
العقل يقود الحضارة
الكاتب: أ. د. بسام الشخريت

خبرني - الرياضيات أمُّ العلوم، وتَوأمُها الوفيُّ هو الفيزياء. ما من أُمّةٍ سبقت إلّا حين عظَّمَت هذين العِلْمَين. 
أنظر للهند كيف قفزت إلى القمّة بفضل الرياضيات، وأنظر لأمريكا كيف تُمسك بمقود العصر عبر ثورة الذكاء الاصطناعي(وهذا الذكاء وُلد أصلاً من رَحِمِ الرياضيات).

دينُنا لا يَرى العلم ترفاً؛ بل عبادةً وعُمراناً:
- اقرأ باسم ربّك الذي خلق.
- وقل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
- ويرفعِ الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.
فمتى سمعتَ أنَّ بلدك يُكرِّم أهل هذه العلوم ويجعل لهم مكانةً في المجتمع والمؤسسات، فانتظر تقدّماً حقيقياً. أمّا إذا كان الهَمُّ الشديد شهاداتٍ وألقاباُ وفخفخةً تُبهج العيون ولا تُغذّي العقول، فذاك وَهْمٌ يُخدع به البسطاء؛ فالمعيار في ميزان الإسلام هو التقوى والعمل النافع والإتقان.

الرياضيات أداةُ الفيزياء ولسانها، والفيزياءُ مبدؤها وروحها؛ بينهما صلةٌ وثيقة وتكاملٌ لا ينفصم. ومن يتخرّج في قسم الفيزياء يُؤهَّل (بحكم التكوين) لتدريس الفيزياء والرياضيات معاً.

أقول عن خبرةٍ ودراسة: في قسم الفيزياء كانت الرياضيات عسيرةً؛ مسألةٌ واحدة قد تمتدّ صفحاتٍ من اشتقاقاتٍ تُدوِّخ الرأس. ومع أنّها ليست من ميولي (رغم شغفي بها)، فإنّي أستطيع أن أشرحها وأقرِّبُها لأيّ شخصٍ بسهولة (لأنها لغة الكون). وقد أحسنوا القول: الرياضياتُ وَضَعَت الأساس إلى الفضاء، والفيزياءُ مَهَّدتْ الطريق إليه، والهندسةُ تَوَلَّت التنفيذ.

وهنا يلتقي العلم بالإيمان: قوانين الحركة، وانتظام المدارات، وثوابت الطبيعة (كلّها من سنن الله في خلقه):
"إنّ في خلق السموات والأرض واختلافِ الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب."
قراءةُ هذه الآيات ليست نصوصاً فحسب، بل أرقامٌ ونماذجٌ ومعادلات.

وعلى سُلّم نهضةِ الأمم، تقف الفلسفة والرياضيات وعلوم الفيزياء والكيمياء والهندسة والأحياء في المقدّمة؛ بها يُقاس مستوى التقدّم العلمي. وما سواها من التخصّصات فمهمّتها جليلةٌ لحاجات المجتمع، لكنها لا تُثبت التفوّق بين الأمم بمفردها.

الخلاصة: حين نُنزِل الرياضيات والفيزياء منزلتَهُما، ونُكرِّمُ حَمَلتهما، ونجمع نورَ الوحي إلى ضياءِ العقل، يصبح الكلام تقدّماً، والطموحُ مشروعاً، والمستقبلُ ممكناً.

مواضيع قد تعجبك