في عالم مضطرب تتبدل فيه التحالفات، وتسقط فيه الدول من حسابات النفوذ العالمي،وسيادة المصالح الصرفة وصعود الفردانية السياسية ، نستذكر مقولة الملك الحسين بن طلال بكل ما تحمله من معاني وأهداف: "الأردن وُجد ليبقى."
ليست هذه العبارة مجرد شعار، بل كانت إعلان مبكر لنهج سياسي وفكري يدرك من خلاله طبيعة التحديات الوجودية التي واجهت الأردن وقتها. فالدولة التي وُلدت في منطقة صراعات، وعلى تماس دائم مع القضية الفلسطينية، ووسط مشاريع إقليمية كبرى مختلفة، لم تُمنح ترف الإستقرار إقليميا ،لتتكرر المقولة في التصريحات الأخيرة لثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر عام 2023 وأهمية موقع الأردن الإستراتيجي في بقاء الشرق الأوسط منطقة آمنة .
وفي مقاربة بين الأمس واليوم منذ زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدول الخليج العربي وفشل قمة بغداد، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من المكاشفة والفرز، بعد إختفاء المفاهيم السياسية التقليدية مثل "الأمن القومي العربي" وغيرها، لتحل محلها اعتبارات المصالح الضيقة، وصفقات المال والقوة العارية، وتكريس مبدأ "كل دولة لنفسها". بما يضمن لها البقاء في لعبة القوة الإقليمية لتتجاوز الإقتصاد والسياسة إلى عمق الهوية.
ليواجه الأردن، مفترقاً حرجاً في تأريخه السياسي الحديث، في مواجهة استهداف متصاعد لوجوده، سواء على المستوى السياسي أو الجغرافي أو الهوياتي. هذا الإستهداف لا يُترجم فقط من خلال التحديات الخارجية، بل في عمقه يرتبط بتراكمات داخلية . والتأريخ لا يمكن أن يصادر الواقع. فاليوم،الأردنيون يطالبون بالإصلاح. والقدرة على حماية الوطن من التآكل الداخلي والإختراق الخارجي. وإذا كانت الدولة اليوم تقف وحدها في مواجهة مشروع استهداف وجودها، فإن هذه المواجهة لن تُكسب إلا بتحصين الداخل، واستعادة الثقة بين المواطن والدولة، بإختصار، لا مستقبل للدولة دون هويتها السياسية الوطنية. و دون إصلاح جذري يعيد للمواطن كرامته، وللوطن سيادته، وللهوية الأردنية دورها الفاعل في تحديد المسار.
لطالما ارتكزت الهوية السياسية الأردنية – ولو ضمنياً – على دور الوسيط بين العرب والغرب، وبين الفلسطينيين والإسرائيليين، وعلى عمقها الجيوسياسي كدولة مواجهة ناعمة. لكن مع تحلل الغطاء العربي الجماعي، والهرولة نحو التطبيع الكامل، تراجعت قيمة الأردن على طاولة "صفقات المصالح" .وبالنتيجة أصبح الأردن مكشوفاً أكثر من أي وقت مضى، دون غطاء عربي حقيقي، ودون حليف دولي مستعد للدفع دون مقابل.
ان الهوية السياسية لأي دولة تتغذى على دورها الفاعل. لكن في زمن صارت فيه العملة الوحيدة المقبولة هي "المال والنفوذ"، يجد الأردن نفسه يعاني من تراجع الوزن النسبي، اقتصادياً وعسكرياً، وهو ما ينعكس على قدرته في فرض مصالحه.
ويصبح التحدي هنا في كيف يمكن لهوية سياسية أن تفرض وجودها، إذا كانت أدواتها محدودة، في معادلات القوة؟ و ثمة فجوة آخذة في الإتساع بين ما يريده الأردنيون كهوية وطنية سياسية قائمة على الإستقلالية والكرامة والسيادة، وبين النهج السياسي الذي يتماهى أحياناً مع ضغوط الخارج. لتترسخ القناعة بأن الهوية السياسية تغيب لصالح مسارات لا تعبر عن الشعب.
الهوية السياسية هنا ليست مجرد شعار، بل مسألة بقاء.وهذا أخطر التحديات تفكك الهوية السياسية لا يبدأ من الخارج فقط، بل من الداخل إما أن نعيد إنتاج هويتنا السياسية من خلال إصلاح حقيقي وشراكة شعبية تضمن التماسك الداخلي ، أو يرتهن لقرارات لا يملك أدوات التأثير فيها .في عالم المصالح الكبرى من "الاشقاء "، لا خيار أمام الأردن إلا بتقوية داخله، وبناء هوية سياسية تعكس كرامة الناس وتطلعاتهم.
ورغم صعوبة المشهد الإقليمي ، إلا أن الأزمة تفتح نافذة أمل. فان بناء الهوية السياسية الأردنية مهمة ، بل وضرورية، إذا ما اعتمدت الدولة نهجاً إصلاحياً صادقاً، يعيد للمواطن كرامته، ويستند إلى الشراكة الحقيقية، لا إلى التحالفات المؤقتة مع الخارج.
إنّ أول خطوة نحو حماية الأردن هي الإعتراف بأن الهوية السياسية عقداً يُبنى بين الدولة ومواطنيها. والولاء يُقاس بالقدرة على إنتاج وطن عادل وآمن وحر، في زمن إختفى فيه الغطاء العربي، وإنهارت فيه قواعد التضامن، وبرزت مفردات السوق السياسية: "كم تدفع؟ ماذا تكسب؟ من تخدم؟"، لم يعد أمام الأردن سوى أهم خيار وهو بناء هويته السياسية من الداخل، بمواطنيه، وعبر إرادتهم الحرة والمصالحة الوطنية لجبهة قوية . فلا أحد سيحمي هذا الوطن إن لم نحمه نحن.



