*
السبت: 10 يناير 2026
  • 24 فبراير 2025
  • 08:21
وتراجع ترمب عن خطته
الكاتب: إسماعيل الشريف

إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ إن شدوا أرخيت، وإن أرخوا شددت- معاوية بن أبي سفيان.
في القصة الشهيرة عندما ولي الحجاج حكم العراق، والذي كان معقلًا لمعارضي الأمويين، جمع الناس وصعد المنبر، فبدأ خطبته بالجملة الشهيرة: "إني أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها." تحسس الناس رقابهم في رعب، متوقعين الأسوأ. لكنه لم يلجأ إلى الإبادة، بل استخدم التخويف أداةً لإخضاعهم، إذ كان هدفه ترسيخ سلطته.
لم تتغير السياسة منذ آلاف السنين؛ فكما فعل معاوية والحجاج، يفعل ترمب. جميعهم استخدموا أحد مبادئها الأساسية: "اطلب المستحيل لتحصل على الممكن." تقوم هذه الاستراتيجية على وضع شروط تعجيزية، لتبدو وكأنك قدّمت تنازلات بينما تحقق في الواقع أهدافك الحقيقية.
ولا شك أن ترمب طبّق هذا المبدأ حين فجّر قنبلته بإعلان نيته الاستيلاء على غزة، وطرد سكانها، وتحويلها إلى "ريفيرا". لكنه الآن يتراجع عن ذلك، إذ صرّح في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بأن خطته جيدة، لكنه "لن يفرضها على أحد!"
ترمب، رجل الأعمال ومؤلف كتاب "فن الصفقة"، يعرض فيه خبرته في إدارة الأعمال وإبرام الصفقات وتحقيق الأهداف دون أي اعتبارات أخلاقية. وعندما فجّر قنبلته تلك، ربما كان يدرك أنها فكرة غير قابلة للتحقيق، لكنه سعى من خلالها إلى تحقيق أهداف أخرى.
وإذا صح هذا الافتراض، يبقى السؤال: ما الذي أراده ترمب حقًا من طرح هذه الفكرة؟
في عام 2007، صدر كتاب مهم للكاتبة اليهودية الكندية نعومي كلاين، المناهضة للإبادة الجماعية في غزة، بعنوان "عقيدة الصدمة". تتناول فيه كيف تحقق الشركات أرباحًا ضخمة من خلال استغلال الأزمات الكبرى. ووفقًا لهذه العقيدة، تمر المجتمعات المنكوبة بثلاث مراحل:
أولًا، يتم تجويعها وإغراقها في مشاعر المرارة واليأس والإحباط.
ثانيًا، تصبح أكثر تقبلًا للغزاة الذين يستولون على خيراتها.
وأخيرًا، يُزرع فيها الخوف من مقاومة المحتل، خشية التعرض لمزيد من الصدمات.
طرح ترمب فكرة استعمارية صادمة تتعارض مع جميع الأعراف الدولية، مما أثار دهشة العالم. لكنه منح الوقت الكافي لاستيعابها، ثم ترك المجال لمعارضتها وتقديم ردود فعل مقابلة، وهي بالضبط ما يسعى إليه. فقد يكون هدفه تمهيد الطريق للسيطرة الصهيونية على غزة بعد الحرب، أو فرض مزيد من الحصار على حماس لإضعافها تدريجيًا، أو حتى تنفيذ ترحيل جزئي لسكانها.
قد يكون أحد أهداف ترمب أيضًا إشغال وسائل الإعلام والرأي العام بقضية صاخبة، بينما ينفّذ استراتيجيته الحقيقية بعيدًا عن الأضواء. فمن الواضح أن أحد أهدافه في ولايته الثانية والأخيرة هو الانتقام من كل من أضرّ به في ولايته الأولى، ومحاربة الدولة العميقة.
لتحقيق ذلك، مارس ضغوطًا أدت إلى استقالة ستة من كبار قيادات وكالة الاستخبارات الفيدرالية، وأقال اثني عشر مسؤولًا بارزًا في وزارة العدل. كما رشّح مستشاره السابق كاش باتيل، المعروف بانتقاداته المتكررة للدولة العميقة، لرئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي، والذي يريد تحويله إلى متحف.
وبالأمس، واصل حملته بالإطاحة بعدد من كبار قيادات الجيش، كان أبرزهم رئيس الأركان.
قد يكون أحد أهداف ترمب أيضًا إضعاف نتن ياهو، الذي لم يغفر له تهنئته لخصمه بايدن عند وصوله إلى البيت الأبيض، وانتقده علنًا عدة مرات. فقد وضعت فكرة الاستيلاء على غزة وطرد سكانها نتن ياهو في موقف محرج، ووزراؤه يتلقفونها بترحيب كبير، ما زاد الضغط عليه لتنفيذها.
وهذا ينسجم مع شواهد أخرى، مثل إعلان ترمب  رغبته في إفراج حماس عن جميع الأسرى دفعة واحدة، مما وضع نتن ياهو في موقف صعب، خاصة بعد أن استجابت حماس جزئيًا وأطلقت سراح ثلاثة أسرى، فينسب نتن ياهو الفضل في ذلك لترامب.
وتتضارب أفعال ترمب مع تصريحاته؛ فرغم أنه يبدو ظاهريًا اكثر تشددا من نتن ياهو، فإنه يضغط عليه لاستكمال الهدنة. برأيي، سياسة ترامب تُضعف نتن ياهو داخليًا، وتساهم في زعزعة موقفه السياسي.
اتخذ العرب موقفًا حازمًا برفض خطة ترمب من حيث المبدأ، لكنهم باتوا مطالبين الآن بتقديم خطة بديلة. يجب أن تبدو هذه الخطة وسطية في مواجهة الأفكار المتطرفة المطروحة، وهو ما قد يدفعهم إلى التدخل في إدارة القطاع، رغم أنهم كانوا يرفضون ذلك سابقًا.
وبهذا، قد يتحملون لوحدهم تكلفة إعادة الإعمار، ثم يجدون أنفسهم لاحقًا مسؤولين عن أي فشل محتمل في التسويات المستقبلية.
في النهاية، لم تكن خطة ترمب سوى أداة لتحقيق أهدافه الأوسع، سواء بإشغال الرأي العام، أو إضعاف نتنياهو، أو تمهيد الطريق لمخططات أخرى. وبينما يواصل إمساك خيوط اللعبة، يجد العرب أنفسهم أمام تحدٍ جديد: كيف يواجهون هذه المناورات دون أن يصبحوا جزءًا من لعبته؟

مواضيع قد تعجبك