*
السبت: 03 يناير 2026
  • 17 فبراير 2025
  • 11:53
الأردن في مواجهة ترمب صمود لا يقبل الإملاءات ولعبة ذكاء في ساحة القوة
الكاتب: أ. د. هاني الضمور

مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحولات الحادة، حيث تعود السياسات القائمة على الصفقات والضغوط المباشرة إلى الواجهة. في قلب هذه المعادلة، يجد الأردن نفسه أمام اختبار استراتيجي كبير، وسط محاولات فرض حلول تخدم أجندات لا تتماشى مع مصالحه الوطنية. لكن كما أثبت عبر عقود من الأزمات، فإن الضغوط لا تكسره بل تزيده صلابة، والتحدي القادم لن يكون مجرد مواجهة صعبة، بل فرصة لإعادة صياغة موقعه في المعادلة الدولية وفق أسس أكثر استقلالية وثباتًا.

ترمب ليس رئيسًا تقليديًا، بل رجل أعمال يرى السياسة من منظور الصفقات، ولا يعترف بالتحالفات إلا حين تحقق له مكاسب مباشرة. بالنسبة له، الدعم والمساعدات أدوات للمساومة، والمواقف السياسية أوراق قابلة للمقايضة. في هذا السياق، ليس من المستبعد أن يتجه إلى ممارسة ضغوط متزايدة على الأردن في قضايا حساسة مثل القضية الفلسطينية، حيث قد يحاول فرض حلول تخدم مصالح إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية والأردنية، سواء عبر الضغط لقبول ترتيبات أمنية وسياسية جديدة أو عبر الترويج لحلول تتجاهل الثوابت الأردنية. كذلك، قد يسعى إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية، دافعًا باتجاه اندماج أكبر في مشاريع التطبيع الاقتصادي والسياسي وفق شروط أمريكية إسرائيلية، مع استخدام المساعدات الاقتصادية والعسكرية كأداة ضغط لفرض تنازلات لا تتوافق مع المصالح الأردنية.

الأردن، الذي واجه سابقًا مثل هذه الضغوط بمرونة استراتيجية، يدرك أن التعامل مع إدارة ترمب لا يكون بالأساليب الدبلوماسية التقليدية، بل عبر استراتيجية ذكية تقوم على فرض معادلات جديدة توازن بين القدرة على المناورة والاستفادة من نقاط القوة الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية. الرهان الأكبر في هذه المرحلة لا يجب أن يكون على مجرد امتصاص الضغوط، بل على قلب الطاولة وتوظيف الأوراق التي تجعل أي محاولة لفرض الإملاءات الأمريكية مكلفة سياسيًا وأمنيًا للطرف الآخر.

إحدى أهم الأدوات التي يمكن للأردن استخدامها هي تحويل العلاقة مع واشنطن من موقع المتلقي إلى موقع المبادر. الإدارة الأمريكية تدرك أن استقرار الأردن ليس مصلحة أردنية فقط، بل عنصر رئيسي في أمن المنطقة، وأي إخلال بهذا التوازن قد يعيد تشكيل مشهد أمني لا يخدم حتى إسرائيل، التي تعتمد على الأردن كحاجز استقرار أساسي. هذه الحقيقة يجب أن تكون واضحة في أي محادثات مقبلة مع واشنطن، فالأردن ليس مجرد طرف يمكن الضغط عليه، بل دولة تمتلك نفوذًا أمنيًا واستراتيجيًا حاسمًا في ملفات مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، وإدارة التوازنات الإقليمية، وهي ملفات لا تستطيع واشنطن تجاهلها.

تنويع التحالفات الدولية سيكون عنصرًا آخر في استراتيجية المواجهة، حيث لم يعد مقبولًا أن يكون القرار الأردني مرتهنًا للبيت الأبيض وحده. بناء شراكات اقتصادية وأمنية جديدة مع قوى عالمية مثل الصين وروسيا وأوروبا سيمنح الأردن مساحة أوسع للمناورة، خاصة في ظل تزايد الدور الصيني في الشرق الأوسط واهتمام موسكو بتوسيع نفوذها الإقليمي. وفي الوقت ذاته، تعزيز العلاقات مع الخليج كبديل اقتصادي سيقلل من تأثير أي محاولات أمريكية لابتزاز الأردن بالمساعدات. هذه الخيارات ليست مجرد بدائل، بل أدوات ضغط دبلوماسي تجعل أي قرار أمريكي بفرض عقوبات أو تقليل المساعدات أقل تأثيرًا وأعلى كلفة على واشنطن نفسها.

اللعبة السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها تشكل ساحة أخرى يمكن للأردن أن يناور فيها بذكاء. ترمب قد يكون صاحب القرار في البيت الأبيض، لكنه ليس مطلق السلطة، وهناك قوى في الكونغرس، ومؤسسات أمنية، ولوبيات اقتصادية تدرك أن استقرار الأردن ضرورة استراتيجية لا يمكن التضحية بها لمجرد تحقيق مكاسب سياسية قصيرة المدى. التحرك الدبلوماسي الفعال داخل واشنطن، عبر حشد دعم هذه القوى، يمكن أن يشكل حاجزًا أمام أي محاولات لإجبار الأردن على تقديم تنازلات غير مقبولة. فكما تستثمر إسرائيل في نفوذها داخل المؤسسات الأمريكية، يمكن للأردن أن يفعل الأمر ذاته، مستخدمًا شبكة تحالفاته وعلاقاته المتينة داخل الدوائر السياسية الأمريكية لضمان أن أي قرار ضد المصالح الأردنية سيواجه معارضة داخلية قبل أن يكون له تأثير فعلي.

الاقتصاد هو أيضًا ورقة رئيسية في هذه المواجهة. لا يمكن للأردن أن يواجه ضغوط ترمب بفاعلية ما لم يكن قادرًا على تقليل اعتماده على المساعدات الأمريكية. تحسين المناخ الاستثماري، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص العالمي، واستغلال الفرص الاقتصادية المتاحة في مجالات الطاقة البديلة، والتكنولوجيا، والسياحة، كلها عناصر يمكن أن تعزز استقلالية القرار الأردني. الاستراتيجية هنا لا تتعلق فقط بتنويع الموارد المالية، بل بإرسال رسالة واضحة إلى واشنطن بأن الأردن ليس دولة يمكن تهديدها بخفض المساعدات، وأن لديه القدرة على بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.

عودة ترمب إلى البيت الأبيض لا تعني بالضرورة مرحلة أكثر صعوبة على الأردن، بل قد تكون فرصة لإعادة تحديد قواعد العلاقة بين البلدين وفق أسس أكثر توازنًا. المطلوب ليس مجرد الصمود أمام الضغوط، بل إعادة توظيفها لصالح استراتيجية وطنية تحقق استقلالية القرار الأردني وتعزز دوره الإقليمي. المعركة القادمة ليست فقط مع ترمب، بل مع عقلية سياسية ترى الدول الصغيرة مجرد أدوات يمكن تحريكها وفق المصالح الأمريكية. إذا كان ترمب يلعب لعبة القوة، فإن الأردن عليه أن يلعب لعبة الذكاء، لأن الذكاء السياسي هو السلاح الوحيد الذي يمكنه أن يفرض معادلة جديدة، حيث لا يكون الأردن تابعًا بل طرفًا فاعلًا في صياغة المشهد القادم.

مواضيع قد تعجبك