خاص بخبرني
بابتسامة رصينة ذات طابع عسكري ، وذاكرة حاضرة ، وبكامل تأهبه و"بقيافته" المدنية ، بعد أن خلع البزة العسكرية التي رافقته على مدى أربعة عقود خلال فترة خدمته في الجيش العربي والأمن العام ، كان اللواء حكمت مهيار " أبو المطيع " باستقبالي في منزله بجبل عمان قرب الدوار الثالث ، آخر شارع " المخابرات القديمة " ، حيث كان ترأس منصب مدير المباحث الأردنية عام 1956 ، وفي الشارع الموازي لمديرية الأمن العام، التي تولى قيادتها عام 1964 .
حضرت قبل الموعد، وقفت أمام مدير المباحث ومدير الأمن العام الأسبق ، وقبل أن يبادر بمصافحتي نظر إلى ساعته ، مما ينم عن حس عالي بمهنيته كمدير شرطة ، فهذه هي الشخصية العسكرية المنضبطة، فالوقت بالنسبة لهذه الشخصية يعني الكثير ، فالثانية تؤثر على سير الحرب، وتُغير مجرياتها ، وكذا الحال بالنسبة له، فقد استعد لإستقبالي ، ظننت لحظتها بأن اليوم هو(الخميس) ، وأنني أقف أمام قائد عسكري تهيأ للتفتيش العسكري الذي يهتم بالقيافة والترتيب، وبدا لي بأن اللواء يرتدي ملابس " الدركي " ، وما زالت الأوسمة و"النياشين" تزين صدره ، وصفت الرتب في مكانها على أعلى الكتف.
" أبو المطيع " الذي ولد مع بزوغ فجر الثورة العربية الكبرى في عام 1916 ، وواكب مراحل إنشاء الدولة الأردنية ، فشهد اعلان استقلالها، وعاصر جميع ملوكها ، كان قريبا من أبرز محطات تطورها ، ودافع عن ثرى فلسطين في حرب 1948، ما زال يتحدث بصوت جهوري مرتفع ، ويلقي الأوامر بطريقته العسكرية ، وعليك أن تنفذ ثم تسأل حسب القواعد العسكرية ، فعندما يتحدث عن أمر مفصلي من مسيرة الاحداث المهمة التي مرت على الاردن تجده يضم قبضة يده ، ويتحدث بحماس القائد قائلا: إن الوطن لا نستطيع أن نوفيه حقه مهما قدمنا له... فهو أكبر من الجميع.
عندما كنت أتحدث إليه ،كان يتوقف وينظر إلى ما أدون ليتأكد بأنني أكتب بطريقة صحيحة ، ويذكرني عند أي نقطة وصلنا، فيما إذا قطع حديثنا رنة هاتف جاءت للاطمئنان على صحته ، يعتذر للمتحدث لاحترامه للوقت والمواعيد ، ويعود إلى النقطة التي توقف عندها ، وإذا قمت باعادة طرح السؤال عليه ، في محاولة للحصول على معلومات حول حادثة ما، يرفض الحديث عنها ، يرد بطريقة عسكري جافة : هذا سؤال طرح سابقا ، وقمت بالاجابة عليه بالنفي !.
يتخذ " ابو المطيع " في منزله مقعدا يشرف على المدخل ، ليتمكن من الترحيب بمن يأتي لزيارته ، ويضع بجانبه مجموعة من الكتب والأوراق الخاصة به وقلم ، فهو دائم الكتابة حول ما يدور بفكره من خواطر ، ويدون مذكرات حصيلة سنوات عمله الطويلة في الخدمة العسكرية ، فقد التحق بجهاز الأمن العام، الذي كان يتبع لقيادة الجيش، وهو في السادسة عشر من عمره في العام 1933 ، وتدرج في الخدمة إلى أن تقاعد في العام 1970 وهو برتبة أمير لواء، أي (لواء) ،حسب الرتب العسكرية في الوقت الحالي .
أخذنا الحديث ، وسألت (الباشا)، عن الفساد الذي بدأ يستشري بين مسؤولينا ، إن كان بين مسؤولي الأمس ، فجاء الجواب الذي صدمني : لم يكن هناك فساد ، "فلا مكان للخائن بيننا ، نعم الفساد هي خيانة للوطن ، المسؤولون كانت قلوبهم على البلد ، ولا يخونون انفسهم ، ولا يسرقون اموال بلدهم" ، وعندما سألته عن سبب هذا التغير في أيامنا هذه ، أشار لي بيده نحو النافذة على منظر بيوت عمان المتناثرة بطريقة تصاعدية على جبالها ، وأجابني : اسأليهم .
ولكن تلك المظاهر العمرانية، التي تتصاعد في سماء عمان ، التي كان يتأملها ،أشعرته بالفخر لأن بلده أصبح من أهم عواصم العالم ، وبالقدر الذي يشعره بالفخر إلى ما وصلت اليه ، إلا أنه يشعر بأنها اصبحت غريبة عنه، واصبح غريبا عنها، فعمان بالنسبة له ، لم تعد تلك المدينة الوادعة ،التي كان الناس فيها متحابين ومتآلفين ، فقد اختفى لونها الأخضر ، بعد أن انتشرت البنايات، وقلت المساحات الزراعية التي هجرها الأبناء الذين وجهوا من قبل الأباء إلى العلم والدراسة ، فبعد حصولهم على الشهادات، لا مكان للفأس والمنجل باليد التي تحمل القلم .
تشعب الحديث وحملنا إلى ما يدور في الشوارع العربية من مطالبة بالإصلاح والتغيير ، فأخذ يحدثني عن المظاهرات التي كانت تشهدها شوارع الأردن أيام توليه قيادة الشرطة في الخمسينيات من القرن الماضي ، وكانت تطالب وتنادي بقضية العرب الأولى، وهي قضية فلسطين ، أما اليوم فقد اختلفت المطالب وتراجعت الهتاف المنادي بحل القضية الفلسطينية إلى الصفوف الخلفية .
كنت أنصت إلى حديثه بقدر انضباطه العسكري، لما فيه من متعة، لذكريات مرت على بلدنا، فكان وهو يتحدث عن المظاهرات والمسيرات في ذلك الوقت، ويرى أنها كانت محكومة بالقيم والأعراف، فحتى المرأة عند مشاركتها في المظاهرات، تكون على مسافة بعيدة عن الرجال ، حفاظا على كرامتها، ولم يمنع ذلك من وجود ناشطات ، حيث اضطرت قيادة الامن العام ومن أجل المحافظة عليهن ، إلى استحداث شرطة نسائية .
وتحدثنا عن فترة توليه منصب مدير شرطة ، واعتماده نهج اشراك المواطن بالمسؤولية الأمنية ، فاعتاد أهل عمان رؤيته في وسط المدينة بملابسه العسكرية ، يتبادل الحديث معهم ، ويتناول القهوة مع التجار ، ويتعرف عن كثب على مشاكلهم وهمومهم، واحوال البلد الذي كانوا يحرصون على استقراره.
يختلف (ابو المطيع) عن مسؤولي اليوم، الذين ما أن يتركوا "الكرسي "، حتى يبدأوا بانتقاد الحكومة و" الطخ" عليها، فكلما سألته أسئلة حساسة عن مفاصل مهمة في تاريخ الاردن ، يشيح بيده رافضا الحديث أو الاجابة ، وعندما صممت أن أخذ جوابا لسؤال ، قال لي : ليس لدي معلومة ، فالإجابة على استفسارك ليست موجودة لدي!!.
هذا لا يمنع أن نتفق أنا و(الباشا)، على أمور أخرى،كما في الاعلام ،الذي كان أفضل حالا في السابق، حيث كانت العلاقة بين الصحفي والمسؤول تقوم على أساس من الاحترام ،فكما يذكر أن الصحفيين كانوا يحضرون الى قيادة الشرطة، ويحصلون بطرق ودية على الأخبار التي يريدونها .
لم يمنع الحديث عن أحوال البلاد في ذلك الوقت بكل الظروف التي مرت عليها ،من أن يعبر عن أسعد أوقات حياته ، ليكون يوم أن نال الاردن استقلاله ، ويتابع سرده للأيام الجميلة في حياته،بابتسامة عسكرية جادة، رغم ما تحمله من حب ، وهو يذكر تلك الأيام التي ولد فيها أبناؤه ، ويوم حصولهم على الشهادات الجامعية ، ويشعر بالزهو وهو يرى أولاده قد حصلوا على شهادات علمية، فالبكر "مطيع " طبيب أمراض جلدية وتناسلية ، و"باسل" مهندس مدني ،و"سناء" مهندسة معمارية ،و"نضال" رجل أعمال ، واسعد لحظات حياتي الان ، رؤية احفادي والحديث معهم ، ومن أمتع لحظات حياته،أوقات زيارتهم له.
لكن (ابو مطيع)، يتألم وهو يستذكر رفيقة دربة " فايزة "، خريجة دار المعلمات وهي التي حصلت على الترتيب الأول ، وكان والدها أديب مهيار رئيسا ومؤسسا لجامعة النجاح في نابلس، التي انتقلت الى جوار ربها ، وتركته وحيدا بعد أن تزوج الأبناء.
يتجه الآن (الباشا)،ومنذ أن تقاعد من الخدمة العسكرية، إلى العمل الخيري ، فقد أسس جمعية أسر الشهداء، ويقضي أوقاته إلى جانب معشوقته الأرض، وهو يشارك بزراعتها ، بحرصه وحبه للطبيعة حيث يقضي أجمل لحظات حياته في مزرعته التي ورثها عن والده في( زينات الربوع )، وكأنه يطبق على نفسه قانون " من أين لك هذا " ، إلى جانب مشاركته في اصلاح ذات البين ، وتمضيته أوقاتا مع الأصدقاء في نادي الملك حسين ، الذي تأسس ليكون مقرا لرؤساء الحكومات والوزراء وكبار الشخصيات السياسية والتجارية ، وقد شهد النادي تشكيل العديد من الحكومات ، وكان رقم الهاتف الخاص بالنادي، بمثابة بشارة لعدد من الوزراء، الذين تم استدعائهم للانضمام للتشكيلة الحكومية ، ولكن للعمر ضريبة ،فبعد أن تقدم به العمر ، وقلت الحركة ، اتخذ" ابو المطيع "من مقعده أمام النافذة المطلة على عمان ،موقعا له، ليستمتع بأجواء العاصمة التي عشقها وخدمها باخلاص.
تشعر وأنت تتجول في منزل( أبو المطيع) ، بأنك في متحف تاريخي لشخصية وطنية ، تقلدت مناصب مهمة ،فقد رافق الملك عبدالله الأول ابن الحسين في جميع زيارته وفي الأماكن الخطرة ، وخدم خلال فترة حكم الملك طلال، والملك الحسين، وعاصر الملك عبدالله الثاني ، وواكبت تطور الاردن منذ أن كانت إمارة إلى أن أصبحت مملكة .
كل الأوسمة التي تمنحها الدولة الاردنية ،تجدها في منزله ، حيث حصل الباشا على جميع الأوسمة الاردنية ومن أرّفعها ، وسام النهضة من الدرجة الأولى ، ووسام الحسين للعطاء المميز من الدرجة الأولى ، اللذان تقلدهما في عهد الملك عبدالله الثاني ، إضافة الى الأوسمة الأخرى التي حصل عليها خلال خدمته الطويلة.
(ابو المطيع) يكفيه فخرا أنه صاحب أكثر الشخصيات الوطنية حصولا على أوسمة في تاريخ الاردن ، ومن جميع الملوك الاربعة الهاشميين ،ويتشارك معه بعدد الأوسمة فقط، قائد الجيش الاردني الأسبق المشير حابس المجالس – رحمه اللة- .
إنك في متحف متنقل حيث تنتشر في أرجاء منزل اللواء حكمت مهيار، الصور التاريخية التي تجسد مراحل تطور الاردن ، فكل صورة تحمل رواية تاريخية أو بطولة مشرفة .
تحية لرجال الأردن الأوفياء ، الذين ما زالوا يقفون على ثرى هذا الوطن المعطاء، ويكتبون سجلات مشرفة من تاريخ بلدهم، لنتعلم كيف يكون حب الوطن .
في وقت ما أحوجنا أن نتذكر كيف يكون الرجال.
[email protected]



