محمد الخوالدة يكتب :
يرى اكاديميون واداريون وقانونيون ان الرشوة باشكالها المختلفة اصبحت في سائر المجتمعات ،ولا سيما في الدول النامية من الامراض المجتمعية الخطرة ، وهي ذات منشىء نفسي ينمو في ظل فساد اداري بعيد عن الرقابة ووازعي الدين والضمير ، مما لايساعد في خلق رقابة ذاتية هي الاكثر جدوى من اية رقابة اخرى .
الرشو’ة\" اصطلاحا \"مايقدمه صاحب الحاجة محقا كان ام مبطلا إلى من بيده قضاء حاجته سواء اكان ذلك مباشرة او بواسطة الغير او كخدمة مقابل خدمة
وبراي القانونيين فان الرشوة\"داء يفتك بالمجتمع ويسري فيه كالنار في الهشيم , وهي دليل على انتشار الفساد الإداري والمالي بل هي احدى عناصره , فالفرد قد يلجأ لتحقيق مصالحه الشخصية ، ويسعى هو إلى اغراء الموظف بها مرغما على دفع الرشوة عندما يوقن انه لاسبيل يقيه من تعسف الموظف الا هي , او عندما لايجد الإدارة التي تكافح هذا السلوك ، فاما ان يدفع المطلوب واما ان يخسر ماهو اكثر من قيمتها .
ويضيف القانونيون انه بالرجوع إلى التشريع الاردني نجد ان الرشوة شغلت حيزا كبيرا سواء من حيث التحريم او من حيث ترتيب بعض الاثار على ادانة شخص بجرم الرشوة، ويتناول قانون العقوبات الاردني رقم 16 لسنة 1960 جريمة الرشوة في المواد من 170 إلى 173 , وجرم في المادة 170 طلب او قبول الرشوة من قبل الموظف للقيام بعمل ما حيث يعاقب مرتكبها بالحبس من سنتين إلى ثلاث سنوات والغرامة التي تعادل قيمة ما قبض من رشوة .
وفي هذا الصدد يقول يشير القانونيون الى ان التجريم يشمل الرشوة بكل صورها ، بالاضافة إلى الموظف كل شخص ندب إلى خدمة عامة سواء بالانتخاب او بالتعيين ، وكل شخص كلف بمهمة رسمية\"، ووفقا لماجاء في المادة 172 من قانون العقوبات فان الراشي يعاقب بنفس عقوبة المرتشي .
وقد حرم المشرع الاردني في المادة 173 عرض رشوة لاتلاقي قبولا اذ كل من يعرض على موظف او من اعتبره المشرع بحكم الموظف هدية او منفعة اخرى او وعده بها ليعمل عملا غير مشروع او ليمتنع عن عن عمل كان يجب القيام به يعاقب اذا لم يلاق العرض قبولا بالحبس من ثلاثة اشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة عشرة دنانير إلى مائتي دينار.
ويضيف القانونيون ان المشرع الاردني منح الراشي والمتدخل عذرا محلا اذا اباح بالامر للسلطات المختصة او اعترف به قبل احالة القضية إلى المحكمة , ويضيف ايضا انه \" وحسب ماجاء في المادة 3/ب من قانون الجرائم الاقتصادية رقم 18 لسنة 1993 المعدل بموجب القانون رقم 22 لسنة 2004 فان جريمة الرشوة\" تعتبر جريمة اقتصادية اذا شملت عناصر الجريمة الاقتصادية وفي هذه الحالة يسري عليها مايسري على الجرائم الاقتصادية من احكام \", وبينوا ان المادة 265 من قانون اصول المحاكمات الجزائية حرمت المتهم بارتكاب جرم الرشوة ولو اعيد اليه اعتباره من عضوية مجلس الامة او القضاء او الوزارات مشيرا في الوقت نفسه إلى \"وجود قوانين اخرى تصدت لهذه الجريمة منها صيانة اموال الدولة وقانون محاكمة الوزراء وقانون الشركات وقانون الكهرباء العام وقانون خدمة الأفراد والضباط في القوات المسلحة الاردنية .
ويؤكد القانونيون انه لابد من تفعيل النصوص القانونية الموجودة حتى نلمس جدواها , فالرشوة هي طور متقدم من اطوار الواسطة واخطرها , فالواسطة بحسبهم عبارة عن سلوك اداري يعود إلى اسباب اجتماعية تقوم على فكرة المحاباة وتجاوز الانظمة ولاتقل خطورتها عن خطورة الرشوة \" فخرق القانون يبدأ تبرعا ومع مرور الوقت يتم بمقابل مالي (رشوة) \" واكدوا على ان \" مايساعد في شيوع الرشوة وجود التضخم البيروقراطي وانحلال النظام الإداري وسيادة النمط البراجماتي في المجتمع وضعف الوازع الديني في ظل ظروف اقتصادية صعبة ، مما يلعب دورا اساسيا في انتشارها وذلك بسبب الحاجة والفقر وتدني الرواتب والاجور في مقابل الارتفاع المضطر في تكاليف المعيشة .
ويبين القانونيون انه \"في حالات اخرى يكون الجشع سببا في الرشوة ، فالجاني في هذه الحالة تدفعه رغبته في زيادة ثروته , وهذا النمط الاجرامي تنحصر طائفة مرتكبيه في كبار الموظفين الذين لايكتفون باخذ الفتات مقابل ما يقدمونه من خدمات وان غلفت في اشكال اخرى , او اطلق عليها مسميات تسوغ اللجؤ لها لكنها تبقى هي \"الرشوة\ ، ويوضحون ان البعد القانوني لجريمة الرشوة لاينفصل عن الابعاد الاجتماعية والاقتصادية والادارية السائدة ,فالاصلاح يجب ان يكون شاملا حتى يتم القضاء على الرشوة , وينبغي اولا - كمال يقولون - مكافحة الواسطة المبررة في المجتمع الاردني والتي اصبحت مع الاسف ظاهرة مقلقة وملفتة للنظر فيجب محاربة بذرة الرشوة الاولى \"الواسطة\" وتجريمها حتى ياخذ كل ذي حق حقه حتى تتكرس فكرة دولة القانون والمؤسسات ، مع الاخذ بعين الاعتبار ان هناك رشاوى تقدم بصورة \"ولائم وسواها .\"
وبراي مختصين في العلوم الادارية فان الرشوة سمة من سمات الفساد الإداري في الكثير من المجتمعات وخصوصا النامية منها ، ويوضحون ان \"للفساد الإداري المتمثل في ظاهرة الرشوة اسبابا متعددة تفسر بواعثها في البيئة الاجتماعية التي تعكس ضعف الوعي الاجتماعي , فكثيرا ما نجد ان الانتماءات العشائرية والقبلية والولاءات الضيقة وعلاقات القربى والدم سبب رئيسي في الانحرافات الإدارية وتغليب المصالح الخاصة على على المصلحة العامة ، وقد تساعد الانظمة في الدول النامية على انتشار الفساد المادي طالما ان اجهزتها تعد مصدر الفساد بعينه منهجا وسلوكا\".
ومن نافلة القول يضيف المتحدثون في الشان الاداري فان الموظف العام يميل إلى تلقي الرشوة والسكوت عليها نظرا لتدني راتبه ودخله الذي بالكاد يكفيه تكاليف معيشة عائلته , وهذا الأمر اصبح مالوفا ومنتشرا في كثير من انجاز المعاملات الرسمية التي يصعب اتمامها مالم يتم الدفع المسبق ، او اجراء ترتيب منحرف لتسويتها , فالدوافع لتفشي الرشوة كما يبدو تتمثل بالعوامل الاجتماعية والسياسية والادارية ، والاقتصادية في مقدمتها .
ويستعرض المختصون الاداريون الاثار السلبية للرشوة ويقولون انه \"اذا ما تفشى امرها في المجتمعات فسيسود التذمر والظلم والغبن الاجتماعي وسيتم القضاء تدريجيا على العدالة والمساواة الاجتماعية ، فتغلب المصالح الخاصة على المصالح العامة ويعين الأفراد غير الاكفاء في مراكز ليسوا اهلا او مؤهلين لها ، ويبدد المال العام ويتسيد ذوو النفوذ دون التقيد بالموضوعية والكفاءة ، ويستغل الضعفاء والاقل حظا فتضيع المسؤولية وينتشر الفساد في المجتمع ويختل توازنه. .
مختصون في علم النفس الاجتماعي يرون الدكتور المجالي : الرشوة سلوك اجتماعي غير سوي يلجأ اليه الفرد او الجماعة كوسيلة لتحقيق غايات لا يستطيعون الوصول اليها بالوسائل المشروعة او بالطرق التنافسية المتعارف عليها. ويضيف هؤلاء المختصون ان الرشوة قد تكون على شكال مادي (اموال او هدايا) ، وقد تكون على شكل خدمات (خدمة مقابل خدمة) , ويلفتون الى ان الرشوة من الظواهر المرتبطه بالسلوك الاجتماعي والتي تتاثر بالتغيرات التي تحدث في المجتمع سواء في البيئة الاجتماعية او السياسية او الاقتصادية او في البيئة الإدارية , وتتاثر كذلك بالعوامل الثقافية للمجتمع , ففي المقام الاول فالرشوة وفق اولئك المختصين مرتبطة بدور التنظيمات البيروقراطية الرسميه وواجباتها وامكانياتها والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي لفئات المجتمع , ومستوى انتشار التعليم والقيم ، وترتبط كذلك بمجموعة من الاشكال الأخرى لسؤ استخدام السلطة واستغلالها والاتجاه للاستمرارية بذلك .
ويضيف المختصون بعلم النفس الاجتماعي ان من الاسباب لظاهرة الرشوة في المجتمع الخلل في انظمة الضبط والضعف في الديمقراطية الحقه وضبط المؤسسات العامة والتردد في مواجهة الفساد واتخاذ الاجراءات المناسبة حيالها ، لتعقيدات العمل وانظمته واجراءاته، واكدوا انه وعلى الرغم من اصلاح البناء الإداري والتحول نحو القطاع الخاص الا ان هذه الاجراءات لم تؤثر بشكل فاعل او تخفف من استخدام الرشوة كوسيلة لتحقيق المكاسب غير المشروعة اصلا .
الدكتور الرواشدة : الدين يحرم الرشوة
من وجهة نظر شرعية فيقول مختصون بهذا المجال ان الشريعة الاسلامية تحرم الرشوة , اذ تعتبر الرشوة مظنة الجور والميل عن الحق وعدم رد الحقوق إلى اصحابها ، وهي حرام ومن قبيل الاكل بالباطل , وقد نهى الله عنها لانها سبب حامل على ترك العدل لاسيما في زماننا هذا .
واستشهد مختصون بالمجال الشرعي بايات من القران الكريم ومن السنة النبوية المشرفة ، ومن بعض اراء الفقهاء ، مبينين ان الله سبحانه وتعالى قال في سورة البقرة الاية 188 (لاتأكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون ) ، وقال القرطبي ( ومن الاكل بالباطل ان يقضي القاضي لك وانت تعلم انك مبطل ، ولذلك لاتصانعواباموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على اكثر منها ، وقال صلى الله عليه وسلم (لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم ) . وقال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه (الرشوة في السحت ) , وروي عن عبدالله بن عباس( ان علقمة ومسروق سألاه عن السحت اهو الرشوة في الحكم فقال ان الرشوة في غير الحكم سحت وفي الحكم كفر ) .
وبين اولئك المختصون القسم القضائي الذي يقسمه القضاة والموظفون في القانوني الاردني يلخص انماط السلوك الرسمي والشخصي الذي يجب ان يتقيد به كل موظف في الدولة , ومنها حرمة اخذ الرشوة لما لها من انعكاس سيء على امانته الوظيفية وسلامة شرفه وعفة نفسه، فقد نصت الماده 15 فقرة أ من قانون القضاء الاردني على سبيل المثال انه يقسم القضاة عند تعيينهم وقبل مباشرتهم وظائفهم امام رئيس محكمة التمييز اليمين التالية:
"اقسم بالله العظيم ان اكون مخلصا للملك والوطن وان احكم بين الناس بالعدل وان احترم القوانين وان اؤدي وظائفي بكل امانة واخلاص وان التزم سلوك القاضي الصادق الشريف " ، ولعل في هذا القسم كمايقول المختصون بالشان الشرعي وكل قسم يقسمه أي موظف في الدولة استحضار للذات الالهية والحياد والنزاهة والتجرد والبعد عن التزلف ، ذلك لان الرشوة ضد الصدق وعكس الشرف ومنافية لاحترام القوانين التي تحرم وبدو استثناء الرشوة بذلا واخذا.
ويفرق الشرعيون بين الرشوة والهدية ، فالهدية هي مال يعطيه شخص لاخر بدون شروط اعانة ولاقضاء حاجة والاصل في الهدية القبول والمكافأة استثناء لقوله صلى الله عليه وسلم "لو اهدي الي كراع لقبلت ولو دعيت عليه لاجبت
ويجمع المتحدثون في هذا التقرير انه لمكافحة الرشوة لابد من مجموعة اجراءات ، ابرزها وضع الدراسات للبحث في ظاهرة الرشوة بمختلف جوانبها للوقوف على اسبابها والقضاء علي الظواهر الأخرى التي ترفدها ، لان التجريم والعقاب لاياتي أكله اذا لم يتم اخذ الامور بالحسبان عند التصدي للرشوة من ناحية قانونية حتى يكون للنصوص القانونية نهج مبني على سياسة جزائية واضحة المعالم وخالية من التخبط والفوضى , هذا بالاضافة إلى دراسة مدى اثر تدني الرواتب والاجور في القطاع الحكومي على ارتفاع نسبة الرشوة ، والسعي لتحسين احوال الموظفين المعاشية وزيادة الرواتب كي لاتدفع الحاجة الموظفين إلى سلوك السبل غير المشروعة لتامين الحاجات الاساسية التي لايفي الراتب الشهري بتامينها , كما لابد لمكافحة الرشوة من تفعيل الرقابة الإدارية ومحاسبة من يثبت ارتكابه لجريمة الرشوة اداريا ، وحرمانه من الاسباب القضائية المخففة , اضافة كذلك إلى الاهتمام في توعية افراد المجتمع بحقيقة المنظمات الاجتماعية الرسميه التي يتعاملون معها والاجراءات الرسمية الواجب اتباعها مما ينمي في نفوس المواطنين الثقة بتلك التنظيمات وتشجعهم للتعامل معها مباشرة ، وبدون اللجؤ إلى سلوك الرشوة .
على ان تتوازى اجراءات مكافحة الرشوة مع تبني استراتيجية محددة ومدروسه لتبصير العاملين بالتنظيمات الرسمية باساليب التعامل الملائمة مع ذوي المصالح ، مما يطمئن الناس بان مصالحهم بايد امينه تراعي العدالة والمساواة وبدون اية استثناءات ، ويتم ذلك من خلال احداث استقلالية للجهاز الإداري وحمايته من الضغوط السياسية والاجتماعية ، وتنمية القيادات ذات النهج الموضوعي والنزيه والتخفيف من القيم والعادات الاجتماعية التي تعزز مثل هذا السلوك من خلال توجيه عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية إلى غرس نسق قيمي يدفع للتنمية والتقدم .



