يكثر في شوارعنا شباب بمظهر "الهيبيز" يلبسون قمصانا عليها صورة جيفارا، فإذا سألتهم من جيفارا هذا تجد الصمت الأبله سيد الموقف والتساؤل يرتسم على الوجوه! والأصل أن ملابس الإنسان جزء من هويته الظاهرة وتعريفه بنفسه، فكيف يلبس المرء صورة رجل أو امرأة دون أن يعرف عنهما شيئا؟! ماذا يعرف هؤلاء عن جيفارا والثورة الكوبية والبوليفية وأفكاره الشيوعية؟ من يعرف عن حياته وعلاقاته الأسرية ووصفه في بعض المصادر بأنه كان زير نساء يتعاطى الكحول والمخدرات!
ألا تهم هذه الأمور عندما يختار المرء قدوة تمثله وبالذات في مجال خطير كالعمل السياسي والنضالي؟ هل يصح أن نختار شيئا ونترك أشياء؟ ألا يستوجب أن يكون القدوة مبدئيا في سلوكه وأفكاره بحيث لا تتناقض حياته الشخصية مع حياته العملية، ولا يُنظّر على الناس في العلن وينتهك ما قاله في الدوائر الضيقة والمستورة عن الأعين؟
لقد جاء في تعريف القدوة أنه شخص يتأسى به الناس ويتبعون خطاه وطريقته، والاقتداء هو طلب موافقة الآخرين في فعله، واتباع شخصية تنتمي إلى نفس القيم التي يؤمن بها المقتدي، وعادة ما يمثل شخص المقتدى به قدرا من المثالية والرقي والسمو عند أتباعه ومحبيه، والقدوة مهمة في شحذ الهمة والطموح والبناء على الخبرات والتعلم من الآخرين، والقدوة البشرية لا تكتمل وهي معرضة لفتن الدنيا، ولكن غلبة الخير على الشر تغري بالتقليد والاتباع، ولا أسوة الا خير الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن وباطنه بصفاء ظاهره.
ولهذا فإن علينا أن نكون حذرين في انتقاء القدوات والنماذج، والثورة التونسية ونموذج بوعزيزي يؤكد هذا الأمر، فبالرغم أن ما فعله، ونرجو أن يغفر الله له، فتح باب الثورة ضد الطاغية المستبد، وكان أثره في تونس أكثر من تغيير الساسة والجيش والمصلحين والدعاة الا أننا يجب أن نتوقف لنفكر هل هذا هو المثال الذي نريد أن نرسخه للأجيال القادمة ونكرره وقد تكرر في بعض البلدان؟ هل نريد أن نعلم الشباب طريقة اليأس في التعامل مع الأمور بدل الصمود والتصميم وطرق الأبواب كلها وفتحها ولو بالقوة؟ هل نريد نشر فكرة المقاومة السلبية أم الإيجابية؟ لو كان سوء الأحوال الاقتصادية والمعيشية والتسلط سيجعل الناس يحرقون أنفسهم لتحولت بلادنا العربية كلها الى محرقة كبيرة تفوق في عدد ضحاياها وشهرتها ضحايا المحرقة والهولوكوست، فأغلب المواطنين العرب تحت حد السكين والفرق في درجة الجرح، فمنا من أدمته ومنا من جزت عنقه!
إن الاستضعاف لا يولد بالضرورة الاستكانة في النفس الإنسانية واليأس من التغيير فهذه قصة المرأة السوداء روزا باركس في الثالثة والأربعين من عمرها تقود ثورة شعبية، وترفض ترك مقعدها في الباص لرجل أبيض معلنة حقها في الجلوس في أي مقعد خال، وتتحمل من أجل ذلك الاعتقال والمحاكمة والتغريم فتكون سببا في تغيير قوانين التمييز العرقي ضد السود في أمريكا.
لم تستكن باركس، التي لقبت فيما بعد بأم حركة الحقوق المدنية، ولم تسكت ولم تنتحر أو تحرق نفسها بل صمدت صمود الأبطال مدافعة عن حقها الإنساني في العيش بكرامة.
القدوات خطيرة؛ لأننا نسير على خطاهم إما إلى النصر أو الهاوية، فلينظر أحدكم بمن يقتدي.
السبيل



