*
الجمعة: 22 أيار 2026
  • 05 تموز 2018
  • 19:25
العزيزات أخوة التاريخ وورود الأرض
الكاتب: زياد الشخانبة
العزيزات أخوة التاريخ وورود الأرض

منذ الصغر، كثيراً ما كنتُ أسمع عن العزيزات، وفي كلِّ مرةٍ يكون الكلام حصراً بالمدحِ والفخرِ والمحبة، وعامٌ بعد عام، تعلّمت أنهم أهل المكان في مأدبا، والحصن المنيع عبر تاريخها، وها هي بيوتهم الطينيّة التي نراها حتى اليوم، شاهدٌ بأن المفر كان إليها وليس منها .

وبعد أن تجلّت الصورة أمام عيني، واختلاطي بأفراد عشائر العزيزات، وقعتَ في ذات الحُبّ الذي لمستهُ لدى السابقين، فأكثر ما نقرأ في عيون أحدهم ونستشعره، هو أنه ذلك الحليم الذي لم نعد نراهُ كثيراً بين الناس، وفي الذهاب عميقاً في التعامل مع هؤلاء القوم بالمجمل، يكون الوصول إلى درجةٍ لا يمكن الفِرار من شِباك محبته ولطفه وذكائه وهدوئه وراحة جيرته وحُسن منطقه ودماثته حتى في أكثر اللحظات غضباً، وهذا هو سرُّ إستحواذهم على محبة المسيحيين والمسلمين معاً سواءٌ في مأدبا أم خارجها.

والحديث هنا ليس ضرباً بالمدح، بل لا يحتاجون ذلك ولا ينتظرونه؛ فمَن يملك تاريخاً مُشرّفاً وجذوره ضاربة في أعماق صخور الأرض، لا يمكن أن ينتظر مدحاً هُنا أو ثناءً هناك، فالعربي الأصيل الذي تتجلى صورته في أبناء عشائر العزيزات، يعرف نفسه ومكانته ويرفعها عالياً بالتواضع والنخوة وحب الآخرين .

وما جعلني أخط هذه الكلمات، تاريخٌ قرأته فزاد القلب نبضاً وارتفعت وتيرة الإعتزاز ونشوة الفخر بجيرانٍ هم أهل المكان(مأدبا القديمة)، الذين رحبوا عبر عقود وأكثر من قرن، بالضيف والمار من جانب بيوتهم، فينزل لديهم عزيزاً مكرماً دون تمييزٍ أو تفرقةٍ، فهم العرب الأقحاح والكرماء الذين خرج من بينهم النبلاء وأهل العلم والثقافة، وهم أكثر العشائر المسيحية عدداً في مأدبا، والذين أنجبوا أجيالاً من الأردنيين الذي يتبوأون أماكن متقدمة أينما حلّوا فوق البسيطة، وهم الذين وما إن ذُكِرَ العلامة روكس بن زائد العزيزي، فلا يذكرونه أو ينسبونه لهم، بقدر ما يتحدثون عنه كعربي أردني يمثل جميع مكونات الوطن، والذي أضاء الطريق نوراً في زمنٍ كان المفكرين العرب ينحصرون .

والكتابة هُنا ليست تمييزاً، بل أن الفخر والإعتزاز كبيرٌ بكل مكونات مأدبا، وما فيها من فسيفساء بشرية جميلة هي إنموذجٌ بالمحبة والإخاء، وليس سراً أن ما جعلني أخط هذه الكلمات هو شأنٌ شحذ الفخر بأبناء العزيزات، إذ أنه وفي عام 630م وأثناء حياة سيدنا محمد عليه السلام، شارك جَد العزيزات مع جيش المسلمين ضد الجيش البيزنطي في معركة مؤتة التي كانت بدايةً بقيادة زيد بن حارثة، وذلك بتسهيل دخول مؤتة، ووفقاً للمعاهدة مع المسلمين، فقد تم وضع صليبين على أبواب بيته هو ومن هم بإمرته؛ لكي يتم تمييزهم عن غيرهم أثناء المعركة، وإكراماً لهذه المساهمة العروبيّة المقدّرة التي تحمل معاني كبيرة، طلب الرسول عليه السلام أن يُعزُّ هؤلاء العرب على موقفهم العظيم، وأن يكون لهم شأن ورفعة ومكانة ومعزة وإعتزاز وإكرام مِن قبل أخوتهم المسلمين، لذا جاءت تسميتهم "العزيزات"؛ أي أن اسمهم لم يأتِ من مكانٍ جغرافي سكنوه، أو نسبة إلى شخص أو ما شابه، بل جاءَ من موقفٍ عروبيٌّ سجله التاريخ، هو محل فخر ووسام عز، يتوارثه أبناء العزيزات حتى يومنا .

وفي عام 1099 ذُبح العديد من أبناء العزيزات إلى جانب أخوتهم من المسلمين وهم وقوفٌ، على يد الصليبيين، فهم أفضل مَن يحمي جاره ويناصره، وهم أشداء على عروبتهم وأرضهم ولا يرضون بالاستعمار أو سلب الحرية والكرامة.

وشارك أيضاً أبناء العزيزات في الثورة العربيّة الكبرى، حيث وقفوا مع أخوتهم العرب ضد المسلمين الأتراك، وشاركوا في الحِراك المتنوع ضد الانتداب البريطانيّ، وحاربوا إلى جانب رفاقهم العرب المسلمين ضد اليهود عام 1948 وعام 1967 .

اليوم أُنادي الصديق من العزيزات بإبن العم، واليوم وكما كانوا هم ركيزة أساسية في مأدبا، وهم وفي كلِّ موقعٍ نجد أن العُزيزي له "كاريزما" مختلفة تُقرّبَ الناس منهُ ولا تبعدهم، فهو يحمل هَم نشر ثقافة التقارب والحوار والرأي الآخر، وليس مِن بينهم بالعموم قاسِ القلب أو المتعصب، لأن الحليم يُفكّر بالسلام بعيداً عن الفرقة والانتقام، وهم سادة القول والأدب والتاريخ والبطولة وخير مَن يُقبل ولا يدبر، وأكثر الجيران الذين تنبعث من بيوتهم رائحة البخور والطمأنينة والوئام .

مواضيع قد تعجبك