خبرني - دخلت صناعة السيارات العالمية عهدا جديدا، مسطّرة ملحمة هندسية غير مسبوقة على أرض الإمارات، إذ نجحت السيارة الخارقة "يانغوانغ يو 9 إكستريم" (YANGWANG U9 Xtreme)، التابعة للعلامة التجارية الفاخرة لشركة "بي واي دي" (BYD) الصينية، في كسر حاجز السرعة وتجاوز سرعة 503.17 كم/س.
بهذا الإنجاز الذي سجلته صحراء أبو ظبي، أصبحت "يو 9 إكستريم" (U9 Xtreme) رسميا أول سيارة إنتاج تجاري في التاريخ تتخطى حاجز 500 كم/س، حافرة اسم التكنولوجيا الكهربائية في صدارة أسرع السيارات على وجه الأرض مع اعتراف رسمي من الاتحاد الدولي للسيارات "إف آي إيه" (FIA) وموسوعة غينيس للأرقام القياسية.
وفي أجواء مليئة بالحماس والفرح، خطفت النجمة اللبنانية نانسي عجرم الأنظار خلال احتفالها مع ستيلا لي نائبة الرئيس التنفيذي لشركة "بي واي دي" العالمية، وفريق "يانغوانغ" في دبي، بالإنجاز التاريخي للسيارة لتغدو أسرع سيارة في العالم، وسط تفاعل واسع وإشادة كبيرة من الجمهور بالمقاطع المتداولة للحفل.
من ألمانيا إلى الإمارات.. رحلة تصاعدية
ولم يأت رقم أبو ظبي من فراغ، فقبل أشهر، وتحديدا في سبتمبر/أيلول 2025، كانت "يو 9 إكستريم" قد سجلت رقما قياسيا سابقا بلغ 496.22 كم/س على حلبة "إيه تي بي" (ATP) في بابنبورغ في ألمانيا.
في ذلك الوقت، بدا الرقم وكأنه سقف تقني يصعب تجاوزه لسيارة كهربائية تزن أكثر من طنين. لكن مهندسي "بي واي دي" رأوا في الطريق الإماراتي المستوي والواسع فرصة لاختبار الديناميكا الهوائية والإلكترونيات دون قيود الحلبات الضيقة.
الاختبار في أبو ظبي لم يكن مجرد "ضغطة دواسة"، فقد استغرق التحضير يومين كاملين، ففي 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، جرت محاولتان وصلت فيهما السرعة إلى حدود 490 كم/س، على امتداد طريق الشيخ خليفة بن زايد الدولي (E11) في منطقة الظفرة في أبو ظبي، لكن المهندسين لاحظوا حاجة السيارة إلى مزيد من الثبات.
وقاد المركبة سائق سباقات التحمل والسيارات الرياضية الخبير الألماني مارك باسينغ. وعلى هذه السرعة الهائلة، كانت السيارة تقطع نحو 140 مترا في الثانية الواحدة.
وخلال الليل، أُجريت تعديلات دقيقة شملت زاوية الجناح الخلفي، وبرمجيات نظام التعليق النشط، وضغط الإطارات، لمواجهة التموجات الدقيقة على سطح الطريق العام. وفي اليوم التالي، وأثناء المحاولة الثانية، انطلقت "يو 9 إكستريم" لتسجل الرقم النهائي 503.17 كم/س، وسط تصفيق الفريق التقني والإداري.
هندسة "الوحش".. تكنولوجيا تتجاوز حدود البطاريات
لفهم كيف تمكنت سيارة كهربائية من تجاوز سرعة طائرة خفيفة، لا بد من النظر إلى البنية التقنية التي تقف خلف الاسم. إذ تعتمد "يو 9 إكستريم" على منصة بجهد 1200 فولت فائقة الجهد، وهي الأولى من نوعها في سيارات الإنتاج العالمي. هذه المنصة ليست مجرد رقم على ورق، بل تسمح بتدفق طاقة هائل دون انصهار المكونات الإلكترونية.
تحت الهيكل، تعمل 4 محركات كهربائية، كل منها قادر على الدوران حتى 30 ألف دورة في الدقيقة، وبقوة إجمالية تتجاوز 3000 حصان ميكانيكي (أو ما يعادل 2220 كيلوواط). هذه القوة الهائلة توزع بشكل مستقل على العجلات الأربع عبر نظام "إي 4" (e⁴) (المعروف سابقا باسم "إيزي فور" Easy Four)، مما يسمح بتحكم دقيق في عزم الدوران لكل عجلة على حدة، وهو ما يعوض غياب ناقل الحركة التقليدي، ويمنح السيارة تسارعا خطيا مرعبا.
ولكن السرعة القصوى ليست مجرد قوة دفع، إنها معركة ضد الحرارة. فقد زودت "بي واي دي" سيارتها "يو 9 إكس" بنظام تبريد أعيد تصميمه بالكامل، مع مضخات زيت عالية التدفق وممرات تبريد جديدة للمحركات، لضمان عدم تراجع الأداء حتى في ظروف الضغط القصوى.
كما أدت الإطارات شبه الملساء المصممة بالتعاون مع شركة "غيتي" (Giti) دورا محوريا، إذ طُورت خصيصا لتحمل دوران يفوق 500 كم/س دون أن تتمزق بسبب قوى الطرد المركزي.
أرقام قياسية
انتزعت سيارة "يانغوانغ يو 9 إكستريم" اعترافا رسميا مزدوجا من أعلى الجهات التنظيمية والتوثيقية في العالم، إذ اعتمد الاتحاد الدولي للسيارات "إف آي إيه" وموسوعة غينيس للأرقام القياسية النتائج الرسمية للمحاولة التاريخية، محطمة الأرقام العالمية ومسجلة إنجازات ثلاثية الأبعاد:
- اللقب الأكبر عالميا.. حصد لقب "أسرع سيارة إنتاج تجاري في العالم" في انطلاقة بالاتجاه الواحد (One-direction run)، بعد تسجيلها سرعة 503.17 كم/س، موثقة تفوقها التشغيلي والميكانيكي تحت شروط قياس صارمة.
- الريادة الكهربائية.. التتويج بلقب "أسرع سيارة كهربائية بالكامل مخصصة للإنتاج التجاري"، مما أثبت عمليا قدرة المنظومات المحركة بالبطاريات على تجديد قواعد الفيزياء الفائقة التي كانت حصرا على المحركات الحرارية.
- إنجاز عالمي لمكونات الأداء.. تسجيل أرقام قياسية مخصصة لكفاءة الإطارات بالتعاون مع شركة "غيتي تاير" (Giti Tire)، التي صمدت أمام قوى طرد مركزية وجهود حرارية هائلة ناتجة عن الاحتكاك بسرعات تتجاوز 500 كم/س.
وبهذا الإنجاز غير المسبوق واختراق حاجز 500 كم/س الخيالي، لم تكتف "يو 9 إكستريم" بإعادة تعريف حدود السرعة، بل تفوقت رسميا على عمالقة الوقود التقليدي الذين سيطروا على القمة لعقود، وعلى رأسهم المحاولة الشهيرة لسيارة "بوغاتي شيرون سوبر سبورت 300+" (Bugatti Chiron Super Sport 300+) التي سجلت 490.48 كم/س عام 2019.
ماذا يعني هذا الرقم لعلامة "يانغوانغ"؟
"يانغوانغ" هي العلامة الفاخرة لشركة "بي واي دي"، ووُلدت لتكون المنصة التي تختبر فيها الشركة أقصى تقنياتها قبل تعميمها. وتُعَد سيارة "يو 9 إكستريم"، المحدودة بـ 30 نسخة فقط وبسعر يقارب 3 ملايين دولار للنسخة الواحدة، بمنزلة "سفينة فضاء" تسويقية وهندسية في آن واحد.
فبعد أن أثبتت السيارة قدرتها على تسجيل 6 دقائق و59.157 ثانية في حلبة نوربورغرينغ (أول سيارة كهربائية إنتاجية تكسر حاجز السبع دقائق)، جاء رقم السرعة القصوى ليكمل الصورة.. فسيارة "يو 9 إكستريم" ليست مجرد سيارة تسريع، بل سيارة "سرعة قصوى" و"حلبة" في آن واحد.
هذا الإنجاز يضع علامة "يانغوانغ" في مواجهة مباشرة مع عمالقة السرعة التقليديين، لكن بمنطق مختلف، وهو المنطق الكهربائي. فبينما تحتاج محركات الاحتراق إلى ناقل حركة معقد وأنظمة تبريد ضخمة لتحقيق هذه السرعات، قدمت "بي واي دي" حلا يعتمد على البطاريات والمحركات الكهربائية، وهو ما قد يغيّر قواعد اللعبة في السنوات المقبلة.
في النهاية، قد لا يهم السائق العادي كثيرا أن سيارة صينية تجاوزت 500 كم/س، فالقليلون سيجدون طريقا يسمح لهم بتجربة حتى نصف هذا الرقم. لكن ما يهم هو ما يعنيه هذا الإنجاز تقنيا، وهو أن السيارات الكهربائية لم تعد مجرد وسائل تنقل صديقة للبيئة، بل أصبحت قادرة على التفوق على أعتى محركات الاحتراق في أقصى ظروف الأداء.
هذا التفوق ينقل المنافسة من مجرد تحطيم أرقام فردية إلى إعلان بدء عصر جديد بالكامل في صناعة السيارات الفائقة (Hypercars)، تُسحب فيه السيادة من محركات الاحتراق الداخلي لمصلحة الهندسة الكهربائية الصينية المتطورة. وبينما تحتفل أبو ظبي باستضافة هذا الحدث، تبقى "يو 9 إكستريم" شاهدا على أن الحدود بين "المستحيل" و"الممكن" في عالم السيارات الكهربائية تتسع كل يوم.



