*
الاحد: 08 نوفمبر 2026
  • 08 نوفمبر 2026
  • 14:58
في درجة حرارة 20 تحت الصفر حيلة غريبة تنقذ الطيور من التجمد

خبرني - رغم انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، تستطيع العديد من الطيور قضاء ليالي الشتاء في الهواء الطلق دون أن تتجمد، بفضل مجموعة من الاستراتيجيات السلوكية والفسيولوجية التي طورتها عبر أجيال طويلة من التكيف مع الظروف المناخية القاسية.

وتكشف تفسيرات علمية نقلها متحف الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا (NTNU) عن وسائل مدهشة تعتمد عليها الطيور والثدييات الصغيرة لمواجهة ليالي الشتاء الطويلة، التي تمثل تحديا حقيقيا لبقائها على قيد الحياة، خصوصا في المناطق الشمالية من النرويج.

الثلج.. مأوى طبيعي يحمي من البرد

تواجه الحيوانات الصغيرة صعوبة أكبر في مقاومة البرودة مقارنة بالحيوانات الأكبر حجما، إذ تفقد أجسامها الحرارة بسرعة بسبب كبر مساحة سطح الجسم مقارنة بحجمه، فضلا عن محدودية مخزون الدهون الذي يساعد على العزل الحراري وتخزين الطاقة.

تعتمد بعض أنواع الطيور على الثلج نفسه باعتباره وسيلة فعالة للحماية من البرد، وتلجأ أنواع من طيور الطيهوج، إلى حفر جحور وكهوف داخل الثلوج لقضاء الليل، وأحيانا للاختباء والراحة خلال النهار.

وتكمن أهمية هذه المخابئ في أن الثلج يعمل عازلا حراريا جيدا، ما يجعل درجات الحرارة داخل الجحور أعلى بكثير من درجات الحرارة في الهواء الطلق، كما يلجأ طائر الطيهوج البندقي، الذي يقضي عادة وقتا طويلا فوق الأشجار، إلى الاحتماء داخل الثلج خلال موجات الصقيع الشديدة.

أنفاق تحت الثلج لتأمين ليلة دافئة

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على الطيور الكبيرة نسبيا، بل تستخدمها أيضا طيور صغيرة مثل الحسون القطبي الأبيض، الذي يبلغ طوله نحو 13 سنتيمترا.

فعندما تشتد البرودة، يحفر هذا الطائر أنفاقا داخل الثلج بحثا عن مأوى آمن، وإذا كان الثلج ناعما ومفككا، يستطيع الحفر مباشرة إلى الأسفل والاستقرار في مساحة محمية، أما إذا كان متماسكا، فيحفر إلى عمق يتراوح بين 6 و11 سنتيمترا تحت سطحه، قبل إنشاء نفق أفقي يقضي داخله الليل، ثم يخرج منه مباشرة في الصباح.

ويتبع الحسون الأوروبي أسلوبا مشابها، إذ يساعده الاحتماء تحت الثلج على تقليل فقدان حرارة الجسم وخفض استهلاك الطاقة اللازمة للبقاء حتى شروق الشمس، ولا تقتصر هذه الوسيلة على الطيور، فالقوارض الصغيرة، مثل فئران الحقول، تقضي أيضا جانبا كبيرا من فصل الشتاء داخل الجيوب الهوائية الموجودة أسفل الثلوج.

التجمع وتبادل الحرارة لمواجهة الصقيع

ومن الوسائل الأخرى التي تساعد الطيور على النجاة من البرد، التجمع في مجموعات صغيرة والالتصاق بعضها ببعض لتبادل حرارة الجسم.

ويُعد طائر النمنمة الأوروبي، أحد أصغر الطيور في النرويج، مثالا على ذلك، إذ يلجأ أحيانا إلى التجمع مع طيور أخرى داخل مخابئ تحت الثلج، مستفيدا من حرارة أجسامها لتقليل فقدان الطاقة.

وفي إنجلترا، رصد مراقبون مجموعات يصل عددها إلى 60 طائرا من النمنمة، تتراكم فوق بعضها في طبقات متعددة طلبا للدفء.

كما تتجمع طيور متسلقة الأشجار الأوروبية في أماكن محمية، مثل الشقوق الموجودة في لحاء الأشجار والتجاويف داخل جذوعها أسفل الأغصان الكبيرة.

ويساعد هذا التقارب على تقليل مساحة الجسم المعرضة مباشرة للهواء البارد، ومن ثم الاحتفاظ بمزيد من الحرارة، ورغم أن التنافس والعدوانية قد يظهران بين الطيور أثناء التجمع، فإن قسوة الطقس تدفعها إلى قدر أكبر من التسامح، لأن تقاسم مأوى مزدحم يظل أفضل من قضاء الليل منفردة في درجات حرارة متجمدة.

تجاويف الأشجار.. ملاذ آخر للطيور

وتبحث الطيور أيضا عن أماكن طبيعية توفر لها الحماية من الرياح والبرودة، مثل التجاويف الموجودة في الأشجار والمساحات المحمية أسفل الأغصان.

وتقوم طيور نقار الخشب أحيانا بحفر تجاويف خاصة لقضاء الليل، ورغم أنها أقل إحكاما من التجاويف التي تعدها للتعشيش، فإنها توفر حماية مهمة من البرد.

خفض حرارة الجسم لتوفير الطاقة

ومن أكثر آليات التكيف إثارة للاهتمام قدرة بعض أنواع طيور القرقف على إبطاء عملية التمثيل الغذائي وخفض درجة حرارة الجسم الداخلية خلال الليالي شديدة البرودة.

ووفقا للمعلومات العلمية التي أوردها متحف الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، يستطيع طائر القرقف الصفصافي خفض درجة حرارة جسمه من نحو 41 درجة مئوية إلى قرابة 31 درجة مئوية، وهو ما يقلل فقدان الحرارة ويساعده على توفير قدر كبير من الطاقة.

لكن هذه العملية تحتاج إلى تنظيم دقيق، لأن انخفاض درجة حرارة الجسم إلى مستويات شديدة قد يعرض حياة الطائر للخطر، وتشير الأبحاث إلى أن الطائر يبدأ في الارتعاش عندما تقترب درجة حرارة جسمه الداخلية من 32 درجة مئوية.

ويؤدي الارتعاش إلى انقباض العضلات بسرعة، ما ينتج حرارة تساعد على استقرار درجة حرارة الجسم ومنعها من الانخفاض إلى مستويات خطيرة.

تكيفات تضمن استمرار الحياة

وتوضح هذه الاستراتيجيات أن مواجهة الشتاء لا تعتمد فقط على الحصول على الغذاء، بل تتطلب أيضا القدرة على إدارة الطاقة والاحتفاظ بحرارة الجسم واختيار المأوى المناسب.

فبين الاحتماء تحت الثلوج، والتجمع لتبادل الدفء، واستخدام تجاويف الأشجار، وإبطاء العمليات الحيوية، طورت الطيور وسائل متنوعة لمواجهة واحدة من أصعب مراحل العام.

وتؤكد هذه التكيفات قدرة الكائنات الحية على تطوير حلول طبيعية بالغة الدقة لمواجهة الظروف البيئية القاسية، بما يضمن استمرار بقائها رغم طول الليالي وشدة الصقيع.

مواضيع قد تعجبك