لليوم الرابع على التوالي، تلقت مجموعة طائرات في عدة دول أوروبية إنذارات أو تهديدات، مما دفعها للهبوط اضطراريا أو تغيير مسارها، لكن هذه التهديدات بوجود قنابل لم يكن أي منها صحيحا.
وأكد مصادر مطلعة أن عدد الرحلات التي تأثرت بهذه البلاغات ارتفع إلى 18 رحلة، شملت نحو 7 دول أوروبية.
وكانت العاصمة التشيكية براغ من أبرز المواقع؛ إذ أبلغت الشرطة عن تلقي 4 طائرات متجهة إليها تهديدات، قُيّمت مصداقيتها بأنها منخفضة. وفي بلغاريا، هبطت 3 طائرات اضطراريا، جميعها تابعة لشركة "رايان إير".
وفي فرنسا، تحولت رحلة لشركة "إير لينغوس" من دبلن إلى روما نحو إيفرو غرب باريس بعد إعلان حالة طوارئ في الجو. وفي وارسو، أُغلق أحد مدارج مطار شوبان مؤقتا أثناء التفتيش الأمني. أما في روما، فقد رافقت مقاتلات إيطالية رحلة "فين إير " القادمة من هلسنكي لتهبط بسلام.
كم عدد البلاغات حتى الآن؟ وما الجهات التي أعلنت عنها؟
أكد مراسل الجزيرة ارتفاع عدد الرحلات التي تلقت تهديدات اليوم الخميس إلى 18 رحلة، وذكرت وكالة "أسوشيتد برس " أن 8 رحلات على الأقل من كوبنهاغن ودبلن وهلسنكي ومدريد وميلانو ووارسو كانت مستهدفة.
أما وكالة "إيه بي سي" الأسترالية فذكرت أن التهديدات طالت 19 رحلة على الأقل في أوروبا، بينما رفعت مصادر أخرى العدد إلى 25 تهديدا.
وتختلف المصادر في تحديد البيانات التي يتم إحصاؤها، فبعض الجهات تحصي الرحلات التي هبطت اضطراريا فقط، وبعضها يحصي كل إنذار وصل إلى الطيران، وبعضها يحصي المطارات التي أُخليت.
أما الجهات المعلنة عن تلقي تهديدات خلال الأيام الثلاثة، فكانت أغلبها "شركات طيران منخفضة التكلفة "، وكانت شركة "رايان إير" الأيرلندية الأكثر استهدافا، بالإضافة لشركتي "إيزي جيت" البريطانية، و"سكاي إكسبريس" اليونانية.
كما شملت التهديدات رحلات لكل من خطوط "ويز إير" المجرية و"إير لينغوس" الأيرلندية و"لوت" البولندية و"إس إيه إس" الإسكندنافية و"فين إير" الفنلندية.
ما التسلسل الزمني للتهديدات؟
بدأت الموجة الأخيرة يوم الاثنين 2 نوفمبر/تشرين الثاني، حين أفادت شركة "ويز إير" بأن رحلتها المتجهة من لوتون في لندن إلى صوفيا في بلغاريا تعرضت لتهديد أثناء الطيران، فهبطت في العاصمة المجرية بودابست بمرافقة مقاتلة مجرية.
وفي يوم الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وصلت التهديدات إلى نحو 10 طائرات، شملت رحلتين إلى وارسو، ورحلتين إلى صوفيا، ورحلتين إلى روما، ورحلة إلى مورسيا في إسبانيا.
وفي وارسو، حُوّلت رحلة لوت القادمة من هيثرو إلى مطار مودلين، وهو مطار يقع على بُعد نحو 36 كيلومترا من وسط العاصمة وتستخدمه عادة شركات منخفضة التكلفة.
وفي اليوم نفسه، أُجليت سفينة سياحية يونانية في جزيرة سيروس بعد بلاغ مجهول بوجود عبوة ناسفة على هيكلها، ولم يُعثر على متفجرات حتى الآن.
وصباح اليوم الخميس تكررت هذه الحوادث؛ إذ هبطت عدة طائرات أوروبية اضطراريا بعد تهديدات بوجود قنابل ثبت أنها كاذبة، وكانت براغ أبرز المواقع، حيث أُرسلت التهديدات برسائل إلكترونية مجهولة.
مَن وراء هذه التهديدات؟
لا توجد جهة متهمة معلن عنها حتى الآن، وقال مراسل الجزيرة إن مفوض المواصلات في الاتحاد الأوروبي أكد أنه من المبكّر جدا توجيه اتهامات لجهة ما.
لكنّ خبراء يشيرون إلى أن طبيعة هذه التهديدات المنظمة وعددها يشيران إلى أنها ليست عشوائية، إذ طالت حتى الآن 7 دول أوروبية وهي إسبانيا والبرتغال وإيطاليا والمجر وبلجيكا ورومانيا وبلغاريا.
لكنّ المعلومات المتاحة تكشف طبيعة التهديدات أكثر من كشفها لمصدرها، فقد أكد مطار "فاكلاف هافل" في براغ أن التهديدات وصلت برسائل إلكترونية من عناوين مجهولة، وأن مطارات أخرى تلقت الرسائل نفسها.
كما أحالت الشرطة التشيكية القضية إلى وحدة مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية للتحقيق.
ويرى تقرير لشركة "أوسبري فلايت سوليوشنز" أن هناك احتمالا بأن جهات ذات دوافع سياسية تستهدف شركات الطيران والمطارات الأوروبية لتعطيل العمليات الجوية، على خلفية تنافس بين موالين لروسيا وآخرين لأوكرانيا.
لكنّ الشركة نفسها تشير إلى أن ذلك لا يمكن إثباته بشكل قاطع؛ لذا تبقى هذه الفرضية احتمالا يحتاج إلى أدلة رسمية.
ما البروتوكولات الأوروبية للتعامل مع حالة الإنذارات المتكررة؟
تستند الإجراءات إلى قواعد عامة متقاربة بين الدول الأوروبية، فوفق المنظمة الأوروبية لسلامة الملاحة الجوية "يوروكونترول" مقرها بروكسل، تُلزم الطائرات التي تتلقى تهديدات أمنية بالهبوط في أقرب مطار مناسب لإجراء التحقيق.
ويعني ذلك عمليا إجلاء الركاب وتفتيش الطائرة والأمتعة، وهو ما تكرر في الحوادث الأخيرة.
فقد وصفت "رايان إير" إجراءاتها في حادثة أثينا بأنها اتبعت الإجراءات المعتمدة، وأجرت السلطات اليونانية تفتيشا أمنيا قياسيا قبل إعادة الطائرة إلى الخدمة.
لكن الجديد في هذه الموجة هو المرافقة الجوية؛ إذ رافقت مقاتلات إيطالية رحلة "فين إير" حتى هبطت بسلام، وهو إجراء أكثر تشددا من المعتاد.
ولم تعلن أي جهة أوروبية حتى الآن تغييرا رسميا في القواعد، بينما طالب الاتحاد الأوروبي وكالات الطيران بالإبلاغ عن أي تهديدات.
هل تكررت مثل هذه الحوادث في الماضي؟
تنتمي هذه الموجة من التهديدات إلى نمط متكرر منذ سنوات في المطارات الأوروبية، تتغير فيه الدوافع من الدوافع الفردية إلى السياسة والحرب.
ففي عام 2021، ورد تهديد بعد دقائق من تنبيه برج مراقبة في مينسك عاصمة بيلاروسيا لطاقم "رايان إير"، وأدان الاتحاد الأوروبي الحادثة، وأصدرت وكالة سلامة الطيران الأوروبية أمرا بمنع الطيران فوق المجال الجوي البيلاروسي.
وحينها، اعتُقل معارض بيلاروسي كان على متن الطائرة، وقالت المستشارة الألمانية حينها أنجيلا ميركل إن التفسيرات الأخرى للهبوط غير مقنعة.
وفي برلين عام 2021، نقلت الصحافة الألمانية أن هناك تهديدا بوجود قنبلة، لكن الشرطة وشركة "رايان إير " لم تؤكدا ذلك.
وفي عام 2023، فتشت الشرطة اليونانية طائرة تابعة لشركة "رايان إير" في مطار أثينا بعد تلقي تنبيه بتهديد بوجود قنبلة، وكانت مقاتلات يونانية قد رافقتها.
وفي العام نفسه، أُخليت 6 مطارات فرنسية بعد تهديدات بوجود قنابل، ثم ارتفع العدد إلى 14 مطارا في اليوم نفسه، وربطت تقارير حينها هذه الموجة بهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول؛ إذ تكاثرت الإنذارات في أوروبا.
وفي العام الماضي، هبطت طائرة لشركة "أمريكان إيرلاينز" كانت متجهة من نيويورك إلى نيودلهي في مطار فيوميتشينو الإيطالي، مرافقة بمقاتلتين عسكريتين، بعد تهديد بوجود قنبلة.
هل ستؤثر التهديدات المتكررة على الطيران والنقل الجوي؟
يتمثل التأثير الأول في تأخير موعد الرحلات أو إلغائها أو تحويل مساراتها، مما يسبب اضطرابات كبيرة للمسافرين، ويستنزف موارد أمنية مهمة في المطارات، ويكلف شركات الطيران عشرات الآلاف من الدولارات.
ويذهب تحليل "أوسبري"، المتخصص في تحليل مخاطر الطيران والأمن الجوي، إلى أبعد من ذلك؛ إذ يرى أن الاضطراب نفسه هو في الغالب الهدف الأساسي، لا الهجوم.
أما الأثر الأعمق فيقع على ثقة المسافرين وإجراءات الأمن، حيث يدفع تكرار هذه الإنذارات إلى أن تصبح الإجراءات أكثر بطئا وأكثر تشددا، وهو ما يعني طوابير أطول وتفتيشا أدق على حساب سرعة السفر.
وفي المقابل، تؤكد التجربة السابقة أن التهديدات الكاذبة نادرا ما تتحول إلى هجمات فعلية، وهو ما يجعل الأثر المتوقع على المدى القصير تشغيليا أكثر منه أمنيا.



