*
الاثنين: 02 نوفمبر 2026
  • 02 نوفمبر 2026
  • 16:36
أسرارك تفضحها ابتسامتك كيف تحولت الأسنان إلى صندوق أسود للبشر

خبرني - حين يفتح المريض فمه على كرسي العيادة، لا يرى طبيب الأسنان مجرد تسوس يحتاج إلى علاج، بل يقرأ خريطة دقيقة للتوتر وضغوط الحياة. وكأن الأسنان تحولت في هذا العصر إلى ما يشبه "الصندوق الأسود" للطائرة؛ تسجل بدقة متناهية أزماتنا الاقتصادية، وضغط عملنا الرقمي، وشحنات القلق اليومية التي نعيشها بصمت.

وتُظهر الممارسة الميدانية في عيادات الأطباء ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد الشباب الذين يعانون من تآكل طبقـة "المينا" الشديد نتيجة الصرير والضغط الليلي أثناء النوم. حيث يقول المختصون إن هذا المرض لم يعد مجرد مشكلة ميكانيكية في إطباق الفكين، بل أضحى مؤشراً سوسيولوجياً ونفسياً يعكس تفاعل الجسد مع التوتر الناتج عن ضبابية المشهد الاقتصادي والتضخم العالمي؛ ويبدو أن الإنسان المعاصر بات يعصر أسنانه ليلاً ليفرغ شحنات التوتر المخزنة طوال النهار.

وفي تفسيره لهذه الظاهرة، يوضح اختصاصي الأسنان الدكتور، عصمت السيد لموقع "إرم نيوز" أن الصرير أو الكزّ على الأسنان قد يكون استجابة لا إرادية للضغوط النفسية والعصبية، إذ يلجأ الجسم أحياناً إلى شد عضلات الفك وتطبيق الأسنان بعضها على بعض خلال فترات التوتر، أو بعد ساعات طويلة من التركيز والعمل المكتبي.

ومع تكرار هذه العادة، قد تتفاقم آثارها وتؤدي إلى تآكل طبقة المينا، ما يجعل الضغوط الحياتية أحد أهم العوامل التي ينبغي الانتباه إليها عند تقييم هذه المشكلة.

ويشير الدكتور عصمت إلى أن العوامل النفسية ليست التفسير الوحيد للصرير وتآكل الأسنان؛ إذ قد تتداخل معها عوامل أخرى، من بينها اضطرابات النوم ومشكلات التنفس أثناءه، مثل انسداد مجرى الهواء أو الشخير، فضلاً عن جودة النوم والظروف البيئية المحيطة.

وقد نتفاجأ عندما يخبرنا الاختصاصي بأن الأسنان يمكنها أيضاً أن تعطي مؤشرات لمستوى التلوث الذي يحيط بالفرد في مكان سكنه، حيث أن أبحاثاً حديثة رجّحت وجود رابط غير مباشر بين حالات الصرير الليلي وجودة الهواء، وهو ما يأخذنا إلى اضطرابات التنفس أثناء النوم، مثل "انقطاع النفس الانسدادي النومي"، والذي ينتج عنه قلة الأكسجين التي تدفع القلب إلى العمل بوتيرة أسرع لتوفير الأكسجين الكافي للدماغ، الأمر الذي ينتج عنه طاقة يعمد الجسم إلى تفريغها عبر عضلات الوجه، كونها الأسهل تحريكاً خلال النوم، فيحدث الصرير كحلٍّ ميكانيكي لا إرادي. إلا أن الطبيب نوّه إلى أن العلاقة السببية بين التلوث والصرير لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.

وقد تؤثر هذه العوامل مجتمعة في نشاط عضلات الفك خلال الليل، وتزيد من احتمالات حدوث الكزّ لدى بعض الأشخاص.

ولا تتوقف أسرار الأسنان عند حدود النفسية، بل تمتد لتكون مرآة صادقة للمستوى الاجتماعي والاقتصادي للفرد. فالقدرة على اختيار الغذاء الصحي والوصول إلى الرعاية الوقائية المبكرة تنعكس مباشرة على صحة الفم واللثة، التي تشكل البوابة الخلفية لسلامة الجسد ككل؛ إذ ترتبط التهابات اللثة المزمنة بأمراض خطيرة كأمراض القلب والدورة الدموية. 

ويرى الدكتور عصمت أن أفضل علاج للأسنان هو "اللاعلاج"، وبمعنى آخر "الوقاية"، لأن المريض عندما يشعر بالألم يكون الأذى قد بلغ مرحلته الأخيرة عند الأعصاب، لذلك فالتدخل المبكر هو سرّ الحفاظ على الأسنان في حالتها الأفضل.

ومن هنا فالزيارة الدورية للطبيب بغرض الاطمئنان على صحة الأسنان ينبغي أن تترسخ في وعينا إلى أن تتحول لثقافة حياة.

ويؤكد الدكتور عصمت أن جلسة علاج الأسنان باتت تشبه أحياناً جلسة استماع نفسية للمريض، محذراً من أن هوس "الابتسامة المثالية" في عصر التواصل الاجتماعي خلق ضغطاً إضافياً على الأفراد.

ويختتم بنصيحة غير تقليدية: "لا تنتظر حتى يؤلمك ضرسك لتزور الطبيب، فزيارة الأسنان لم تعد مجرد فحص للفم، بل هي قياس حقيقي لمستوى هرمون التوتر في حياتك، وإصلاحها هو خطوة أولى لإصلاح توازنك النفسي والجسدي".

مواضيع قد تعجبك