خبرني - افتتحت سمو الأميرة سمية بنت الحسن، رئيس الجمعية العلمية الملكية، اليوم الأحد، أعمال منتدى "الذكاء الاصطناعي: من التبني إلى الأثر"، الذي نظمته جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات "إنتاج".
وقالت سموها، خلال جلسة حوارية أدارتها الرئيس التنفيذي لشركة «جوباك» مها البهو، إنه لم يعد السؤال المطروح أمام الدول والمؤسسات هو مدى سرعة تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، بل ما الذي تستطيع هذه التقنيات أن تغيّره فعلياً في حياة الناس، وفي إنتاجية الاقتصاد وتنافسية المؤسسات وجودة الخدمات.
وأكدت سمو الأميرة أن النجاح في التحول الرقمي لا يُقاس بعدد التقنيات التي تدخلها المؤسسات، وإنما بالقيمة التي تحققها، وبقدرتها على معالجة التحديات وخلق فرص جديدة وتحسين نوعية الحياة، ودعت إلى تجاوز مرحلة التجارب المحدودة والعروض التوضيحية نحو حلول عملية قابلة للتطبيق والتوسع، تحقق نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
وفي طرحها لمستقبل الذكاء الاصطناعي في الأردن والمنطقة، شددت سموها على أن السيادة الرقمية لا تعني مجرد امتلاك التكنولوجيا أو استخدامها، بل امتلاك القدرة على تشكيل مستقبلها وحوكمتها وتوجيهها بما يخدم الأولويات الوطنية. وقالت إن المطلوب هو الانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المبتكر والمساهم الفاعل في تطويرها، بما يضمن ألا يؤدي التحول الرقمي إلى تعميق الفجوات القائمة، بل إلى توسيع فرص المشاركة والنمو أمام الجميع.
واستحضرت سمو الأميرة تجارب دولية تقدم دروساً عملية في هذا المجال، من بينها إستونيا في تطوير الحوكمة الرقمية وتعزيز الشفافية وكفاءة الخدمات العامة، والهند في توظيف البنية التحتية الرقمية لتوسيع الوصول إلى الخدمات والفرص الاقتصادية. كما أشارت إلى التجربة الفنلندية في التعليم، والمغرب في الطاقة المتجددة، وكوستاريكا في الجمع بين حماية البيئة والنمو الاقتصادي، مؤكدة أن الاستفادة من هذه النماذج تتطلب تكييفها مع الاحتياجات والأولويات الوطنية.
وفي صميم هذا التحول، وضعت سموها الإنسان والتعليم والمهارات، مؤكدة أن الاستثمار في القدرات البشرية هو الأساس لأي مستقبل تكنولوجي ناجح. فالذكاء الاصطناعي، بحسب سموها، لا يتطلب خبرات تقنية فحسب، بل يستدعي أيضاً التفكير النقدي والإبداع والقدرة على التكيف والتعلم المستمر. وشددت على ضرورة أن تشمل برامج تطوير المهارات مختلف فئات القوى العاملة، لا المتخصصين في التكنولوجيا وحدهم، وأن يجري إعداد الأجيال القادمة للعمل جنباً إلى جنب مع الأنظمة الذكية والاستفادة من إمكاناتها.
كما دعت سمو الأميرة إلى توجيه الابتكار والذكاء الاصطناعي نحو التحديات التنموية الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها التعليم والرعاية الصحية وأمن الطاقة والتغير المناخي، مع ضمان تطوير تطبيقات مسؤولة تراعي الأخلاقيات والحوكمة وحماية البيانات والأثر البيئي والاجتماعي.
ولفتت سموها إلى أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع التحول، إذ يتطلب نجاحها قيادة تمتلك رؤية بعيدة المدى، ومؤسسات قادرة على مواكبة التغيير، وسياسات تستند إلى الأدلة، وأطر تنظيمية وتشريعية مرنة، إلى جانب شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص.
وأكدت أن بناء الثقة العامة بالتكنولوجيا يبدأ بضمان فهم المواطنين للأنظمة التي تؤثر في حياتهم، وثقتهم بها، وشعورهم بفوائدها المباشرة.
وقالت سموها إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده الجهات التي تتبنى هذه التكنولوجيا بأسرع وقت، بل تلك التي تمتلك الرؤية والمؤسسات والمهارات والشجاعة اللازمة لتوظيفها على النحو الأكثر جدوى وتأثيراً، مؤكدة أن التبني هو نقطة الانطلاق، فيما يبقى إحداث الأثر هو الطموح الحقيقي، والإنسان محور الاثنين.
وفي سياق متصل، برزت خلال المنتدى دعوات إلى استثمار الكفاءات الأردنية لبناء صناعة وطنية للذكاء الاصطناعي قادرة على خدمة الأسواق العربية، والاستفادة من الخبرات المحلية في اللغة العربية ولهجاتها واحتياجات المؤسسات في المنطقة.
وقال رئيس هيئة المديرين في جمعية «إنتاج» فادي قطيشات إن الفرصة تكمن في تطوير حلول عربية متخصصة فوق النماذج العالمية المتاحة، تشمل التعرف على الكلام باللهجات المختلفة، وتكييف النماذج اللغوية، وتحويل النصوص إلى كلام، بدلاً من تحمّل كلفة بناء نماذج عملاقة من الصفر.
وأكد أن هذه الفرصة لا تقتصر على تطوير النماذج، بل تمتد إلى حوكمتها وأمنها وحماية بياناتها وربطها بأنظمة المؤسسات وتشغيلها وتحديثها، وهي مجالات تتيح توظيف الخبرات الأردنية وفتح أسواق إقليمية جديدة، داعيا إلى تعزيز دور المؤسسات الحكومية في تبنّي الحلول التي تطورها الشركات المحلية، بما يساعدها على إثبات قدراتها والتوسع، ويوفر فرصاً نوعية للشباب في مختلف المحافظات.
من جهته، أشار الرئيس التنفيذي لجمعية "إنتاج" المهندس نضال البيطار إلى أن التحدي الأساسي أمام المؤسسات يتمثل في إثبات ما أحدثه الذكاء الاصطناعي فعلياً في الإنتاجية والتنافسية، ومدى انعكاس فوائده على مختلف فئات المجتمع، مؤكدا أن المنتدى يركز على ثلاثة محاور مترابطة هي السيادة الرقمية والمهارات والنمو الرقمي الشامل.
وسلط البيطار الضوء على أهمية توسيع مشاركة المرأة في الابتكار والقيادة في قطاع التكنولوجيا، مشيراً إلى دور سمو الأميرة في دعم مسيرة وحدة تمكين المرأة اقتصادياً في قطاع تكنولوجيا المعلومات «شيتيكس» منذ إطلاقها عام 2018.
وفي إطار موضوع دخول الجيل الجديد ميدان الابتكار فقد عكست مشاركة طلبة الجامعات في مسابقة الفيديو المعتمد على الذكاء الاصطناعي اتساع الاهتمام بهذه التقنيات خارج التخصصات التكنولوجية التقليدية. فقد شهدت المسابقة مشاركة 73 طالباً وطالبة من 17 جامعة أردنية، قدموا 64 عملاً، عُرض منها 11 مقطعاً متميزاً تحت عنوان: قفزة نحو عام 2033.
وشملت المشاركات طلبة من تخصصات متنوعة، من بينها التمريض والصيدلة وإدارة الأعمال والإعلام والسينما والفنون التطبيقية والتربية، في مؤشر على اتساع مجالات توظيف الذكاء الاصطناعي، وعلى أهمية إشراك مختلف التخصصات في رسم ملامح المستقبل الرقمي.
بدوره، أشار السفير الألماني لدى المملكة الدكتور بيرترام مولتكه إلى أهمية قياس أثر الذكاء الاصطناعي على تنافسية الشركات وفرص التشغيل، مستشهداً ببيانات أشارت إلى أن أكثر من 60 بالمئة من شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن تدمج هذه التقنيات في منتجاتها وخدماتها، مؤكدا أن فرص الاستفادة تمتد إلى قطاعات الصناعة والتجارة وغيرها، من خلال تحسين جودة المنتجات وتقليل الهدر وتطوير إدارة المخزون وتوقع الطلب.
وتناول المنتدى، الذي شارك فيه مسؤولون وقادة أعمال ومستثمرون وخبراء وممثلون عن قطاع التكنولوجيا والمؤسسات الأكاديمية، عدداً من القضايا المرتبطة بالانتقال من تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى تحقيق عوائد فعلية، بما في ذلك استثمارات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية والسيادة الرقمية، ومهارات المستقبل، والإنتاجية، وتطبيقات التكنولوجيا في المؤسسات الأردنية.
ونُظم المنتدى من خلال وحدة «شيتيكس» في جمعية «إنتاج»، وبدعم من مشروع تطوير القطاع الخاص المبتكر في مرحلته الثانية، المنفذ من قبل التعاون الدولي الألماني والممول من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، وبالتعاون مع وزارة الصناعة والتجارة والتموين.



