*
الخميس: 29 أكتوبر 2026
  • 29 أكتوبر 2026
  • 02:43
أزمة مبابي أعادت الزمن 50 عاما لماذا يقدس الصينيون ماو تسي تونغ
سيدتان صينيتان تحملان صورة الزعيم الراحل ماو تسي تونغ خلال احتفال بذكرى ميلاده

خبرني  - لم يكن كيليان مبابي يتوقع، على الأرجح، أن تتحول صورة ساخرة تداولها مشجعو كرة القدم إلى أزمة تهدد علاقاته التجارية ومصالحه الاقتصادية في الصين، بعدما تحدث مهاجم ريال مدريد خلال مقابلة مصورة عن إحدى الصور التي يظهر فيها وجهه مركبا على جسد رجل وصفه بأنه "على ما أعتقد، ديكتاتور صيني". ولم يذكر النجم الفرنسي اسم الرجل، لكن الصورة التي ظهرت في المقطع كانت للزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ.

أثارت كلمات مبابي موجة من الغضب في الصين، دفعت شركات محلية إلى إنهاء شراكاتها التجارية معه، وأعقبها تعليق بث مباريات الدوري الإسباني عبر التلفزيون الرسمي، قبل أن يقدم اللاعب اعتذارا في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ويؤكد احترامه للشعب الصيني وتاريخه. لكن الاعتذار الذي تبعه اعتذارات وتوضيحات من الدوري الإسباني وريال مدريد لم ينه الجدل، وأعاد إلى الواجهة شخصية لا تزال صورتها تتصدر أشهر ميادين بكين بعد نصف قرن من وفاتها.

فمن هو ماو تسي تونغ الذي أثارت السخرية منه هذه العاصفة؟ وكيف يجتمع في سيرته تأسيس الجمهورية الشعبية واستعادة سيادة البلاد، ونشر التعليم وتوسيع الرعاية الصحية، مع سياسات ارتبطت بمجاعة أودت بحياة عشرات الملايين وحملات قمع سياسي وثورة ثقافية زلزلت أركان ووجدان المجتمع الصيني؟ وما الذي يقوله المؤرخون عن هذا الإرث، ولماذا ظل ماو يحتفظ بمكانته في الرواية الرسمية الصينية ووجدان قطاعات من الشعب رغم اعتراف الحزب الشيوعي نفسه بأخطائه الجسيمة؟

 

من قرية زراعية إلى قيادة الثورة الصينية

في 26 ديسمبر/كانون الأول 1893، ولد ماو تسي تونغ في قرية شاوشان بمقاطعة هونان، جنوبي الصين، لأسرة تعمل بالزراعة، في بلد كانت تتنازعه الأزمات السياسية والتدخلات الأجنبية، قبل أن تؤدي ثورة عام 1911 إلى الإطاحة بأسرة تشينغ الحاكمة وإنهاء النظام الإمبراطوري الذي استمر قرونا.

وقضى ماو سنوات شبابه متنقلا بين الدراسة والعمل والنشاط السياسي، وتأثر بالأفكار القومية والإصلاحية التي انتشرت بين المثقفين الصينيين، قبل أن يعتنق الماركسية ويشارك في تأسيس الحزب الشيوعي الصيني عام 1921، بعد عامين من اندلاع حركة الرابع من مايو/أيار، التي قادها طلاب ومثقفون احتجاجا على ما عدوه انتقاصا من سيادة بلادهم عقب الحرب العالمية الأولى.

وخلافا للتركيز التقليدي للفكر الماركسي على العمال الصناعيين، رأى ماو في الفلاحين القوة الاجتماعية الأقدر على حمل الثورة في الصين، حيث كانت الغالبية العظمى من السكان تعيش في الأرياف، وتعاني الفقر والتفاوت في ملكية الأراضي.

وتبلورت هذه القناعة خلال الصراع بين الشيوعيين وحزب الكومينتانغ القومي، بعدما تعرضت الحركة الشيوعية لحملات عسكرية دفعتها إلى إقامة قواعدها في المناطق الريفية، قبل أن تخوض قواتها "المسيرة الطويلة" بين عامي 1934 و1935، وهي رحلة انسحاب عسكري شاقة عززت مكانة ماو داخل الحزب.

ومع اندلاع الحرب الصينية اليابانية ثم استئناف الحرب الأهلية بين الشيوعيين والقوميين، تمكن ماو ورفاقه من توسيع نفوذهم العسكري والسياسي، مستفيدين من تنظيم القوات المسلحة وحشد السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وفي دراسة بعنوان "استعادة الثورة الصينية"، تتناول المؤرخة الأمريكية إليزابيث بيري، الأستاذة بجامعة هارفارد، تجربة الشيوعيين في مناجم أنيوان خلال عشرينيات القرن الماضي، وتوضح كيف ساعد تنظيم العمال وتوسيع فرص التعليم في كسب التأييد الشعبي، بما يكشف أن نجاح الحركة الشيوعية لم يقم على المواجهة العسكرية وحدها.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1949، اعتلى ماو منصة بوابة تيانانمن في بكين، وأعلن قيام جمهورية الصين الشعبية، بعدما انتصرت القوات الشيوعية في الحرب الأهلية، وانسحبت حكومة الكومينتانغ بقيادة تشيانغ كاي شيك إلى تايوان.

ومثّل إعلان الجمهورية نهاية مرحلة طويلة من الحروب والانقسامات في البر الرئيسي الصيني، وبداية حكم الحزب الشيوعي الذي لا يزال يحتفظ بالسلطة حتى اليوم، لكنه لم ينه الخلاف بشأن تايوان، التي استمرت فيها حكومة جمهورية الصين.

وقد رسخ هذا الانتصار مكانة ماو في الذاكرة الوطنية، خصوصا أن أجيالا من الصينيين عاشت حروب الأفيون والتدخلات الأجنبية والاحتلال الياباني والحرب الأهلية، لتصبح استعادة السيادة وإقامة حكومة مركزية موحدة جزءا أساسيا من الرواية التي قامت عليها شرعية النظام الجديد.

غير أن انتصار الثورة حمل معه تحديا آخر، فالقائد الذي أمضى عقودا في تنظيم المقاومة وخوض الحروب أصبح مسؤولا عن إدارة مجتمع واسع أنهكته الصراعات، وكان عليه أن يواجه مشكلات الفقر والأمية وضعف الخدمات، وأن يحول شعارات الثورة إلى سياسات تؤثر في حياة مئات الملايين.

 

كيف تغيرت حياة الصينيين في عهد ماو؟

ورثت الجمهورية الشعبية عام 1949 اقتصادا زراعيا ضعيفا، ومجتمعا يعاني تفاوتا شديدا في ملكية الأراضي وفرص التعليم والعلاج، إلى جانب الدمار الذي خلفته الحرب ضد اليابان والحرب الأهلية.

وبدأت الحكومة الجديدة إصلاحا زراعيا أعادت بموجبه توزيع أراضي كبار الملاك على الفلاحين، قبل أن تنتقل لاحقا إلى تأسيس التعاونيات الزراعية، ثم فرض نظام جماعي للإنتاج. وساعدت الإجراءات الأولى في تقويض النفوذ التقليدي لملاك الأراضي، لكنها رافقتها أيضا حملات عنف وإعدامات استهدفت أشخاصا صنفتهم السلطة ضمن الفئات الطبقية المعادية للثورة.

وامتدت التغييرات إلى العلاقات الاجتماعية، فأصدرت الحكومة عام 1950 قانونا للزواج حظر الزواج القسري وتعدد الزوجات، وأقر حق المرأة في اختيار شريكها وطلب الطلاق، في محاولة لتغيير أنماط أسرية كانت تمنح الرجال سلطة واسعة داخل الأسرة.

وفي كتابه "تثوير الأسرة.. السياسة والحب والطلاق في الصين الحضرية والريفية بين عامي 1949 و1968″، الصادر عام 2000 عن مطبعة جامعة كاليفورنيا، يبين الباحث نيل ديامانت أن القانون أحدث تغييرات ملموسة في العلاقات الأسرية، واستفادت منه نساء ريفيات في المطالبة بالطلاق أو رفض الزيجات المفروضة عليهن.

لكن ديامانت يوضح أيضا أن تطبيق القانون لم يجر على نحو موحد، إذ واجه مقاومة اجتماعية، وتدخل بعض المسؤولين المحليين في النزاعات الأسرية، مما أظهر الفارق بين الحقوق التي أقرتها الدولة وقدرة المواطنين على ممارستها.

وفي مجالي التعليم والصحة، توسعت المدارس وبرامج محو الأمية، وأطلقت السلطات حملات لمكافحة الأمراض المعدية وتحسين النظافة العامة، مع توجيه اهتمام متزايد إلى المناطق الريفية التي كانت تعاني نقصا كبيرا في الخدمات.

وقد انعكست هذه التحولات على المؤشرات السكانية، إذ ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة في الصين من نحو 35 إلى 40 عاما عام 1949 إلى 65.5 عاما عام 1980، وفقا لدراسة بعنوان "تفسير انخفاض معدلات الوفيات في الصين في عهد ماو"، أعدها الباحثون كيمبرلي بابيارز وكارين إيغلستون وغرانت ميلر وتشيونغ تشانغ، ونشرتها مجلة "دراسات السكان" عام 2015.

واعتمد الباحثون على سجلات الصحة العامة والبيانات السكانية في المقاطعات الصينية، وخلصوا إلى أن التوسع في التعليم وحملات الصحة العامة يفسران معا ما بين 50% و70% من الانخفاض الكبير في وفيات الرضع والأطفال دون الخامسة خلال الفترة التي تناولتها الدراسة.

غير أن هذه النتائج لا تعني أن الأوضاع الصحية تحسنت باستمرار خلال سنوات حكم ماو، فقد شهد متوسط العمر المتوقع تراجعا حادا أثناء المجاعة الكبرى بين عامي 1959 و1961، قبل أن يستأنف ارتفاعه في السنوات التالية، كما أن الدراسة تمتد إلى عام 1980، أي بعد وفاة الزعيم الصيني بأربع سنوات.

وتكشف هذه الأرقام عن جانب مهم من تاريخ الجمهورية الشعبية، فقد شهدت البلاد توسعا في الخدمات العامة وتغييرات اجتماعية أثرت في حياة ملايين الأسر، بينما ظل النظام السياسي قائما على احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، وفرض قيود صارمة على المعارضة، وهو ما ظهرت نتائجه بوضوح عندما بدأت القيادة تواجه انتقادات لسياساتها.

 

دعا المثقفين إلى النقد ثم عاقبهم

في عام 1956، شجع ماو المثقفين والأكاديميين على التعبير عن آرائهم بشأن أداء الحزب الشيوعي، في حملة عرفت باسم "المئة زهرة"، مستعيرا شعارا يدعو إلى ازدهار مئة زهرة وتنافس مئة مدرسة فكرية.

واتسعت الدعوة خلال ربيع 1957، وبدأت الصحف والجامعات تشهد نقاشات تناولت امتيازات المسؤولين والفساد والتدخل الحزبي في المؤسسات التعليمية والثقافية، قبل أن تصل بعض الانتقادات إلى احتكار الحزب للسلطة.

لكن الانفتاح لم يستمر طويلا، إذ أطلقت القيادة الشيوعية في يونيو/حزيران 1957 حملة ضد من وصفتهم باليمينيين، واستهدفت موظفين ومثقفين وكتابا وأكاديميين شاركوا في توجيه النقد، وتعرض كثير منهم للفصل من وظائفهم أو الاعتقال أو الإرسال إلى معسكرات العمل.

واختلف الباحثون بشأن نية ماو الأصلية من دعوة المثقفين إلى النقد، فبينما يرى بعضهم أن الحملة استهدفت الكشف عن المعارضين، يعتقد آخرون أن القيادة فوجئت باتساع الاعتراضات وخشيت خروج النقاش عن سيطرتها.

ويعرض المؤرخ موريس مايسنر هذه المرحلة في كتابه "الصين في عهد ماو وما بعده"، الذي صدرت طبعته الثالثة عام 1999، ضمن صراع أوسع بشأن حدود الحرية السياسية ودور الحزب في المجتمع الاشتراكي.

لكن الخلاف بشأن الدوافع لا يغير النتيجة التي انتهت إليها الحملة، بعدما تعرض أشخاص استجابوا لدعوة السلطة إلى النقد لعقوبات قاسية، وأسهمت التجربة في ترسيخ الخوف من الاعتراض على القرارات الصادرة عن القيادة العليا.

ولم تمض سوى أشهر حتى شرع ماو في تنفيذ مشروع اقتصادي واسع، كان يفترض أن يسرع تقدم البلاد نحو التصنيع، لكنه تحول إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ القرن العشرين.

 

القفزة الكبرى إلى الأمام.. لماذا مات الملايين جوعا؟

في عام 1958، أطلق ماو حملة "القفزة الكبرى إلى الأمام"، واضعا هدفا يتمثل في تسريع التصنيع وزيادة الإنتاج الزراعي خلال فترة قصيرة، حتى تتمكن الصين من تضييق الفجوة الاقتصادية مع الدول الصناعية.

ولتحقيق ذلك، جمعت السلطات المزارعين في وحدات إنتاج جماعية كبيرة عرفت باسم "الكومونات الشعبية"، ودفعت أعدادا واسعة من سكان الريف إلى مشروعات صناعية، بينها أفران بدائية لصهر الحديد، بينما فرضت على المسؤولين المحليين أهدافا مرتفعة للإنتاج.

وسرعان ما ظهرت اختلالات كبيرة في تنفيذ الخطة، فقد بالغ بعض المسؤولين في تقدير المحاصيل، وتواصل جمع الحبوب لمصلحة الدولة وفق أرقام لم تكن تعكس الكميات المنتجة فعليا، في وقت تراجعت فيه قدرة الأسر الزراعية على الاحتفاظ بالغذاء.

وتفاقمت الأزمة مع انخفاض الإنتاج واضطراب توزيع المحاصيل، وبدأت المجاعة تنتشر في مناطق واسعة من البلاد، ولا سيما الأرياف، حيث عانى السكان نقصا حادا في الطعام بين عامي 1959 و1961.

ويختلف الباحثون في تقدير العدد الدقيق للضحايا بسبب محدودية البيانات التاريخية واختلاف طرق حساب الوفيات الزائدة، أي الوفيات التي تجاوزت المعدلات المتوقعة في الظروف المعتادة.

فقدّر الباحثون باسيل أشتون وكينيث هيل وآلان بياتزا وروبن زايتز، في دراسة سكانية نشرت عام 1984، عدد الوفيات الزائدة بنحو 30 مليون شخص، بينما رفع الصحفي والباحث الصيني يانغ جيشنغ التقدير إلى نحو 36 مليونا في كتابه "شاهد القبر"، الذي استند فيه إلى وثائق وشهادات جمعها خلال سنوات من البحث.

وفي دراسة بعنوان "الأسباب المؤسسية للمجاعة الكبرى في الصين بين عامي 1959 و1961″، نشرتها مجلة "مراجعة الدراسات الاقتصادية" عام 2015، يستعرض الباحثون شين منغ ونانسي تشيان وبيير ياريد تقديرات تتراوح بين 16.5 و45 مليون وفاة.

لكن أهمية الدراسة لا تقتصر على أعداد الضحايا، إذ تبحث في الأسباب التي جعلت بعض المناطق المنتجة لكميات كبيرة من الغذاء تسجل معدلات وفاة مرتفعة، وهي مفارقة ساعدت الباحثين على تحديد أثر سياسات جمع الحبوب وتوزيعها.

وخلص الباحثون إلى أن النظام الحكومي لجمع المحاصيل كان يفرض على المناطق الأعلى إنتاجا تسليم حصص كبيرة من الحبوب، دون أن يتكيف بالسرعة اللازمة مع تراجع الإنتاج، وهو ما أسهم في حرمان سكان بعض الأرياف من الغذاء رغم استمرار توريد المحاصيل إلى الدولة.

وتشير هذه النتائج إلى أن المجاعة لم تكن مجرد نتيجة لانخفاض الإنتاج أو سوء الأحوال الطبيعية، بل أسهمت فيها قرارات اقتصادية وإدارية اتخذتها الدولة، وفاقم آثارها ضعف تدفق المعلومات الدقيقة وصعوبة مراجعة السياسات.

وقد ظهرت حدود النقد داخل القيادة عندما عارض وزير الدفاع بنغ دهواي سياسات "القفزة الكبرى" خلال اجتماع حزبي عام 1959، فتعرض للإقصاء واتُّهم بالانتهازية اليمينية، في خطوة أضعفت إمكان تصحيح الأخطاء خلال مرحلة كانت فيها المجاعة تتفاقم.

ولم يقتصر تحميل المسؤولية على المؤرخين المستقلين، فقد أقر الحزب الشيوعي الصيني في قراره التاريخي الصادر عام 1981 بأن أخطاء "القفزة الكبرى إلى الأمام" والحملة ضد من اتُّهموا بالانتهازية اليمينية كانت من الأسباب الرئيسية للأزمة الاقتصادية بين عامي 1959 و1961، إلى جانب الكوارث الطبيعية والخلافات مع الاتحاد السوفييتي.

وتكشف هذه الواقعة جانبا من العلاقة بين طبيعة الحكم ونتائج السياسات الاقتصادية، إذ لم تكن المشكلة في تقدير الإنتاج وحده، بل في نظام سياسي جعل الاعتراض على اختيارات القيادة محفوفا بالمخاطر، حتى عندما بدأت آثارها تظهر على حياة السكان.

 

عندما أكلت الثورة أبناءها

بعد انحسار المجاعة، اتجهت القيادة الصينية إلى تصحيح بعض السياسات الاقتصادية، وبرز مسؤولون دعوا إلى إيلاء الإنتاج والاعتبارات الفنية اهتماما أكبر، بينهم ليو شاوتشي، الذي شغل رئاسة الجمهورية، ودنغ شياو بينغ، أحد أبرز قادة الحزب الشيوعي.

لكن ماو رأى في هذه التوجهات خطرا على المشروع الاشتراكي، وحذر من تنامي نفوذ من اعتبرهم مؤيدين للرأسمالية داخل الحزب، قبل أن يطلق عام 1966 ما عرف باسم "الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى".

وشجع الزعيم الصيني الطلاب والشباب على مواجهة المسؤولين والمثقفين الذين اتُّهموا بمعاداة الثورة، فتشكلت جماعات "الحرس الأحمر"، وشاركت في حملات تشهير وعنف استهدفت أساتذة جامعات وكتابا وفنانين ومسؤولين حكوميين.

وشهدت الجامعات والمدارس والمؤسسات الرسمية جلسات إذلال علنية، عُلقت خلالها لافتات على أعناق أشخاص اتُّهموا بالانتماء إلى طبقات معادية للثورة، وتعرض بعضهم للضرب والاعتقال، بينما طالت حملات التطهير قادة بارزين داخل الحزب نفسه.

وكان من أبرز الضحايا ليو شاوتشي، الذي أُقصي من مناصبه وتعرض للاضطهاد السياسي، قبل أن يتوفى في الحبس عام 1969، بعدما كان واحدا من أهم قادة الدولة التي أسسها ماو.

ومع تصاعد الصراعات بين الجماعات المتنافسة، تدخل الجيش لإعادة فرض السيطرة في مناطق مختلفة، ورافقت تدخله حملات قمع واسعة، مما جعل العنف خلال الثورة الثقافية يتخذ أشكالا مختلفة باختلاف المرحلة والجهات التي نفذته.

وفي دراسة بعنوان "التمرد والقمع في الصين بين عامي 1966 و1971″، نشرت عام 2014 في مجلة "تاريخ العلوم الاجتماعية"، حلل المؤرخ أندرو والدر، الأستاذ بجامعة ستانفورد، سجلات تاريخية من 2213 مقاطعة ومدينة صينية لتقدير حجم العنف السياسي خلال السنوات الخمس الأولى من الثورة الثقافية.

وخلص والدر إلى أن الوفيات المرتبطة بالاضطرابات والقمع خلال تلك الفترة تراوحت بين 1.1 و1.6 مليون شخص، بينما تعرض ما بين 22 و30 مليون شخص لأشكال مختلفة من الاضطهاد السياسي المباشر.

وأشار الباحث إلى أن معظم الوفيات التي أمكن تقديرها ارتبطت بالقمع الذي مارسته السلطات، وليس بأعمال الجماعات المتمردة وحدها، وهو ما يوضح أن المسؤولية عن العنف لا يمكن حصرها في جماعات الحرس الأحمر.

وامتدت الثورة الثقافية، بمراحلها المختلفة، حتى وفاة ماو في 9 سبتمبر/أيلول 1976، قبل أن تنتهي رسميا في الشهر التالي بعد اعتقال المجموعة القيادية التي عرفت باسم "عصابة الأربعة"، وضمت جيانغ تشينغ، زوجة ماو.

وقد خلّفت تلك السنوات اضطرابات واسعة في مؤسسات الدولة والتعليم والاقتصاد، وأدت إلى صراعات داخل الحزب، قبل أن تبدأ القيادة الجديدة مراجعة السياسات التي حكمت البلاد خلال العقد السابق.

 

كيف يقرأ المؤرخون إرث ماو؟

لا يقوم الخلاف بين المؤرخين على حقيقة وقوع المجاعة أو الثورة الثقافية أو حملات القمع، فهذه أحداث موثقة في الدراسات الأكاديمية والوثائق الصينية، وإنما يتعلق تفسيرها بالأسباب التي قادت إليها، وحجم مسؤولية ماو الشخصية مقارنة بمسؤولية المؤسسات والقيادات الأخرى، فضلا عن كيفية تقييم التحولات الاجتماعية والاقتصادية خلال حكمه.

وفي كتابه "الصين في عهد ماو.. ثورة انحرفت عن مسارها"، الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد عام 2015، يرى المؤرخ أندرو والدر أن النظام الذي بناه الحزب الشيوعي بعد عام 1949 جمع بين جهاز حزبي شديد الانضباط واقتصاد مركزي مستوحى من النموذج السوفييتي.

ويذهب والدر إلى أن هذا النظام أتاح تعبئة الموارد وإعادة تنظيم المجتمع، لكنه منح القيادة أيضا أدوات واسعة لفرض سياسات اقتصادية وسياسية غير واقعية، وعندما تدخل ماو لتغيير عمل المؤسسات القائمة، أسهمت قراراته في وقوع المجاعة واضطرابات الثورة الثقافية.

أما المؤرخ موريس مايسنر، فيتناول في كتابه "الصين في عهد ماو وما بعده"، التناقض بين طموح ماو إلى بناء مجتمع أكثر مساواة والنتائج التي آلت إليها سياساته، مع اهتمام أكبر بما أحدثته الثورة من تحولات اجتماعية وما تركته من مؤسسات استفادت منها الصين لاحقا.

وفي دراسة نقدية نشرها الباحث جويل أندرياس، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز، في "المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع" عام 2016، قارن بين معالجة والدر ومعالجة مايسنر، موضحا أن الأول يركز بصورة أكبر على إخفاقات النظام السياسي والاقتصادي، بينما يولي الثاني اهتماما أوسع بالتحولات الاجتماعية وطموحات المشروع الثوري، رغم انتقاده نتائجه.

وتفيد المقارنة بين هذه الأعمال في تجنب اختزال التاريخ في شخصية ماو وحدها، دون أن تعفيه من مسؤولية القرارات التي اتخذها أو السياسات التي دافع عنها، إذ يظل تفسير الأحداث مرتبطا أيضا بطبيعة مؤسسات الحكم، وآليات اتخاذ القرار، وحدود النقد داخل الحزب والدولة.

وتتضح أهمية هذا التمييز في دراسة الصحة والتعليم، فقد استفادت أجيال من الصينيين من التوسع في الخدمات العامة، بينما تعرضت أجيال أخرى، وبعضها من الأجيال نفسها، لآثار المجاعة والقمع السياسي. ولا تتعارض هاتان الحقيقتان، لأن تحسن أحد المؤشرات الاجتماعية لا ينفي وقوع كارثة في مجال آخر.

 

رغم الأخطاء الفادحة.. كيف احتفظ ماو بمكانته؟

بعد خمس سنوات من وفاة ماو، أقر الحزب الشيوعي الصيني وثيقة تاريخية حملت عنوان "قرار بشأن بعض المسائل في تاريخ حزبنا منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية"، واعتمدتها اللجنة المركزية في 27 يونيو/حزيران 1981.

وشكل القرار واحدة من أهم المراجعات الرسمية لمرحلة ماو، إذ أقر بأن الثورة الثقافية لم تحقق تقدما اجتماعيا، وإنما أدخلت الحزب والدولة والمجتمع في اضطرابات خطيرة، وحمّل ماو المسؤولية الرئيسية عن إطلاقها.

كما انتقد الحزب تعاظم سلطة الزعيم الراحل وتراجع القيادة الجماعية، معتبرا أن تركيز السلطة في يد فرد واحد، وضعف المؤسسات والضوابط السياسية، أسهما في تفاقم الأخطاء وصعوبة وقفها.

لكن القرار نفسه أكد أن إسهامات ماو في انتصار الثورة وتأسيس الجمهورية الشعبية تتقدم على أخطائه، واحتفظ له بمكانة محورية في تاريخ الحزب والدولة.

وبذلك، اختار الحزب أن يعترف بإخفاقات بعض سياسات مؤسسه، دون أن يتخلى عن الثورة التي قادها بوصفها الحدث الذي أقام النظام السياسي الحاكم.

وقد أصبحت هذه المراجعة جزءا من الأساس الذي استندت إليه القيادة الصينية خلال مرحلة الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت عام 1978 بقيادة دنغ شياو بينغ، عندما خففت الدولة من القيود المفروضة على النشاط الاقتصادي، ووسعت دور السوق، وفتحت البلاد تدريجيا أمام الاستثمارات والتجارة الخارجية.

وتثير هذه التحولات سؤالا تاريخيا آخر عن العلاقة بين مرحلتي ماو ودنغ، إذ استفادت الإصلاحات اللاحقة من مؤسسات الدولة وبعض الاستثمارات السابقة في التعليم والصحة والصناعة، لكنها تضمنت أيضا التخلي عن سياسات اقتصادية ثبت أنها قيدت الإنتاج وأدت إلى اختلالات كبيرة.

ومع مرور العقود، بقي ماو حاضرا في المشهد الرسمي، فصورته معلقة على بوابة تيانانمن في بكين، وتظهر على الأوراق النقدية الصينية، فيما يستمر الحزب الشيوعي في تقديمه بوصفه أحد أبرز مؤسسي الدولة الحديثة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، خلال الاحتفال بالذكرى الـ130 لميلاده، وصف الرئيس الصيني شي جين بينغ ماو بأنه بطل وطني أسهم في تغيير مصير الشعب الصيني، مؤكدا أن مواصلة المشروع الذي بدأه تمثل أفضل وسيلة لإحياء ذكراه.

لكن المكانة التي يمنحها الحزب لمؤسس الجمهورية الشعبية لا تفسر وحدها استمرار الإعجاب به لدى قطاعات من الصينيين، إذ تكشف الدراسات الميدانية أن علاقته بالذاكرة الشعبية تتصل أيضا بتجارب الأجيال الماضية، وبالمقارنة بين ظروف الحياة في عهده والتحولات الاجتماعية التي شهدتها البلاد بعد وفاته.

 

لماذا يبجل الصينيون ماو رغم ديكتاتوريته؟

في قرية شاوشان بمقاطعة هونان، حيث ولد ماو قبل أكثر من 130 عاما، لا يزال منزل أسرته يستقبل زوارا يقطع بعضهم مئات الكيلومترات لرؤية المكان الذي نشأ فيه الزعيم الصيني، فيما يقف آخرون أمام تمثاله البرونزي حاملين الزهور، أو يلتقطون صورا تذكارية مع أبنائهم وأحفادهم.

وفي تحقيق نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية يوم 19 سبتمبر/أيلول 2026، رصد مراسلها جوردان بوي زيارات عائلات وطلاب وموظفين إلى شاوشان، التي استقبل موقعها التذكاري نحو 12.5 مليون زائر خلال عام 2025، بينهم أكثر من نصف مليون تلميذ.

ومن بين الزوار شابة صينية تدعى ويندي دونغ، تبلغ من العمر 19 عاما، اصطحبت جدتها إلى منزل ماو خلال رحلة دراسية، بعدما أخبرتها الجدة أن زيارة مسقط رأس الزعيم الراحل حلم طالما راودها، وأنها لا تزال تحتفظ بصورته في منزلها.

وتكشف هذه الواقعة عن أحد أسباب استمرار حضور ماو في المجتمع الصيني، إذ تتناقل بعض الأسر ذكراه بوصفه قائدا ارتبط في وجدانها بانتهاء الحروب وتأسيس الجمهورية الشعبية، بينما تتعرف الأجيال الأصغر إلى سيرته عبر المناهج الدراسية والأنشطة الوطنية والروايات العائلية.

لكن هذا الإعجاب لا يرتبط بالذاكرة الوطنية وحدها، فقد أظهرت مقابلات أجراها الباحثان إيزا دينغ وجيفري جايفد أن الحنين إلى عهد ماو قد يكون أيضا تعبيرا عن عدم الرضا عن بعض نتائج التحولات الاقتصادية التي شهدتها الصين بعد وفاته.

وأجرى الباحثان أكثر من 70 مقابلة معمقة مع مواطنين صينيين في 4 مدن خلال الفترة من 2015 إلى 2018، ونشرا خلاصة نتائجهما في صحيفة "واشنطن بوست" عام 2019، حيث وصف بعض المشاركين سنوات الحكم الماوي بأنها مرحلة اتسمت بتقارب مستويات المعيشة والتعاون بين الناس، رغم إقرارهم بأن ظروف الحياة المادية آنذاك كانت أصعب بكثير.

وأشار الباحثان إلى أن عددا من المشاركين الذين عاشوا خلال تلك الفترة احتفظوا بذكريات إيجابية عن العلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء الجماعي، حتى إن بعضهم أعرب عن الحنين إلى شبابه خلال الثورة الثقافية، رغم ما شهدته من اضطرابات وقمع.

غير أن هذا الحنين لم يكن، بالضرورة، رغبة في استعادة النظام الاقتصادي السابق أو العودة إلى الفقر، إذ أقر المشاركون بتحسن مستويات معيشتهم بعد الإصلاحات الاقتصادية، لكنهم رأوا أن اتساع الفوارق الاجتماعية والمنافسة على الثروة غيّرا طبيعة العلاقات بين الناس.

ولا تمثل هذه المقابلات استطلاعا إحصائيا لآراء الصينيين جميعا، لكنها تقدم تفسيرا لأسباب استمرار الإعجاب بماو لدى بعض المواطنين، ممن يقارنون تجاربهم الشخصية بالمشكلات التي يواجهونها في الحاضر.

وتدعم دراسات أحدث أهمية هذا العامل، ففي بحث نشرته "مجلة علم النفس في منطقة المحيط الهادئ" في فبراير/شباط 2026، وجد الباحثون تساي يو تيان وجيا يان ماو ويونغ يو غو وكارين دوغلاس، من خلال عدة دراسات شملت مشاركين صينيين، أن الشعور بتزايد التفاوت الاقتصادي يرتبط بارتفاع الميل إلى الحنين الجماعي إلى الماضي.

ولا تختص هذه النتيجة بتقييم ماو شخصيا، لكنها تساعد في تفسير الظروف الاجتماعية التي تجعل بعض المواطنين يستعيدون صورا مثالية عن العقود السابقة، خصوصا عندما يشعرون بأن النمو الاقتصادي لم يوزع ثماره بصورة عادلة.

وفي دراسة أخرى بعنوان "الجذور الماوية للتفاوت الكبير في الدخل بالصين"، نشرتها مجلة "الصين" في مايو/أيار 2026، يحذر عالم الاجتماع مارتن كينغ وايت من المبالغة في تصوير عهد ماو مرحلة للمساواة الاجتماعية، موضحا أن نظام تسجيل الأسر الذي أقر عام 1958 أسهم في تكريس امتيازات سكان المدن على حساب سكان الأرياف، وأن آثاره امتدت إلى العقود اللاحقة.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في التمييز بين صورة الماضي كما تحتفظ بها الذاكرة الشعبية، والواقع الاجتماعي الذي يمكن قياسه بالوثائق والإحصاءات، إذ إن الحنين إلى عهد معين لا يعني بالضرورة أن جميع الفئات كانت تتمتع خلاله بالمساواة نفسها.

وثمة سبب آخر يتصل بالطريقة التي صُنعت بها صورة ماو خلال حياته، فقد أحاطه الحزب الشيوعي بدعاية سياسية واسعة، خصوصا خلال الثورة الثقافية، وانتشرت صوره وأقواله في المدارس والمصانع والمؤسسات العامة، وأصبح إظهار الولاء له جزءا من الحياة اليومية.

وفي كتابه "عبادة ماو.. الخطاب والطقوس في الثورة الثقافية الصينية"، الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج عام 2011، يشرح المؤرخ الألماني دانيال ليزه كيف أسهمت القيادة الشيوعية في بناء صورة ماو بوصفه قائدا استثنائيا، قبل أن تتوسع طقوس تمجيده إلى درجة أصبح فيها ترديد أقواله وإظهار الولاء له من الممارسات المفروضة في مؤسسات عديدة.

ولم يختف أثر هذه الصورة بعد وفاته، إذ استمرت رموزه في الظهور في الأماكن العامة والأسواق والمناسبات الوطنية، بل اكتسبت في بعض البيئات طابعا شعبيا يتجاوز السياسة، حيث استخدمت صورته في تمائم تعلق داخل السيارات طلبا للحماية، أو في محلات تجارية باعتبارها رمزا للحظ.

وفي دراسة عن حضور ماو في الثقافة الشعبية، يوضح المؤرخ تيموثي تشيك، في كتاب "مدخل نقدي إلى ماو" الصادر عام 2010، أن صورته حملت معاني متباينة لدى الصينيين، فمنهم من يتذكره بوصفه قائدا أعاد توحيد البلاد، ومنهم من يربطه بالقمع، بينما ينظر إليه بعض الفقراء بوصفه رمزا للدفاع عن الفئات الأقل حظا.

وتنعكس هذه المعاني المتباينة في ما يُعرف بالصين باسم "السياحة الحمراء"، وهي زيارات تنظمها المدارس والمؤسسات الحكومية، كما يقصدها أفراد وعائلات، إلى المواقع المرتبطة بتاريخ الثورة الشيوعية وقادتها.

ويشير المؤرخ تشانغ تاي هونغ، المتخصص في التاريخ الثقافي والسياسي الصيني بجامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا، في حديثه إلى "لوموند"، إلى أن هذه السياحة تشكل جزءا من التربية الوطنية التي ترعاها الدولة لتعزيز الانتماء وإبراز تاريخ الحزب الشيوعي، لكنها لا تمنع الزوار من تكوين تصورات شخصية مختلفة عن الأحداث والشخصيات التي تحتفي بها تلك المواقع.

كما أن إعجاب بعض الصينيين بماو لا يعني بالضرورة موافقتهم على سياساته جميعا، أو جهلهم بالمجاعة والثورة الثقافية، فقد جمع بعض المشاركين في مقابلات دينغ وجايفد بين الاعتراف بتجارب مؤلمة في الماضي والاحتفاظ بمشاعر إيجابية تجاه الزعيم أو مرحلة شبابهم.

وفي الاتجاه المقابل، وثّق المؤرخ سيباستيان فيغ في كتاب "الذكريات الشعبية لعهد ماو.. من النقاش النقدي إلى إعادة تقييم التاريخ"، الصادر عن مطبعة جامعة هونغ كونغ عام 2019، شهادات وكتابات ومشروعات توثيقية مستقلة تناولت المجاعة وحملات القمع والثورة الثقافية، وكشفت اختلاف الذكريات الشخصية عن الرواية الرسمية في كثير من الأحيان.

ويصعب لذلك تقدير حجم التأييد الشعبي لماو بدقة، في ظل تباين تجارب الأجيال والفئات الاجتماعية، والقيود المفروضة على النقاش السياسي العلني، فضلا عن أن زيارة ضريحه أو الاحتفاظ بصورته لا تعني بالضرورة تبني أفكاره السياسية.

وهكذا، يرتبط استمرار تبجيل ماو لدى قطاعات من الصينيين بأسباب تتداخل فيها مكانته مؤسسا للدولة، وذكريات الأسر والأجيال التي عاشت في عهده، والحنين إلى ما يُتصور أنه مجتمع أكثر تضامنا، فضلا عن الدور الذي أدته الدعاية السياسية والتعليم الرسمي في ترسيخ صورته. وفي المقابل، تحتفظ أسر أخرى بذكريات المجاعة والاضطهاد، مما يجعل مكانته في المجتمع الصيني أكثر تعقيدا من الصورة التي تقدمها الاحتفالات الرسمية أو ردود الفعل على تصريحات مبابي.

 

من الصورة الساخرة إلى سؤال التاريخ

أعاد اعتذار مبابي، في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، الاهتمام بواحد من أكثر قادة القرن العشرين تأثيرا في تاريخ بلاده، لكنه أعاد أيضا طرح سؤال يتجاوز وصف ماو بأنه ديكتاتور أو مؤسس دولة، إلى طبيعة الحكم الذي أقامه والنتائج التي ترتبت على سياساته.

فقد قاد ماو الثورة التي أنهت الحرب الأهلية وأقامت جمهورية الصين الشعبية، وشهدت سنوات حكمه تغييرات واسعة في التعليم والصحة والعلاقات الاجتماعية، في وقت ارتبطت فيه قراراته الاقتصادية والسياسية بمجاعة جماعية وحملات قمع واضطرابات امتدت سنوات.

وتتفق الدراسات التاريخية التي تناولت تلك المرحلة على وقوع هذه الأحداث، وإن اختلف الباحثون في تفسير بعض أسبابها وتقدير أعداد ضحاياها وموازنة آثارها الاجتماعية والاقتصادية. أما الحزب الشيوعي الصيني، فقد اختار منذ عام 1981 الجمع بين الاعتراف بأخطاء ماو الجسيمة والاحتفاظ بمكانته بوصفه قائدا للثورة ومؤسسا للجمهورية الشعبية.

لكن استمرار الإعجاب به لدى بعض الصينيين لا يمكن تفسيره بالموقف الرسمي وحده، إذ تكشف الدراسات والشهادات أن صورته ترتبط أيضا بتاريخ الأسر وذكريات الأجيال والمواقف من التفاوت الاجتماعي، بينما يحمل آخرون روايات مختلفة عن المعاناة التي شهدوها خلال سنوات حكمه.

وهكذا، أعادت صورة ساخرة ظهر فيها وجه لاعب كرة قدم على جسد زعيم راحل إلى الواجهة نقاشا تاريخيا لم ينته بعد، عن رجل لا تزال صورته تحتل مكانا بارزا في العاصمة الصينية، بينما تتباين ذكراه بين من يرى فيه مؤسس الدولة التي يعرفها اليوم، ومن يستعيد ما تعرض له مجتمعه وأسرته من قمع ومجاعة واضطرابات خلال السنوات السبع والعشرين التي قاد فيها البلاد.

مواضيع قد تعجبك