*
السبت: 24 أكتوبر 2026
  • 24 أكتوبر 2026
  • 22:14
عبدالمجيد عصر المجالي يكتب  إلى ميسون والكرك بالضرورة

كتب عبدالمجيد عصر المجالي

 

أعرف أن الوجع أطول عنقا من امتداد الحروف، وأعرف أنه أكبر من اختزاله في شخصٍ فقد عزيزا، فالحادث أحال قلوبنا جميعا إلى مآتم، لكنني لا أدري لِمَ أردت أن تكون حروفي خالصة إلى ميسون برقان من دون الناس، ربما لأنني أراها الكرك التي في البال، أو ربما لأن دمعتها لم تجف بعد على شقيقها ناظم الذي نزل من قطار الحياة قبل حوالي شهرين، ثم جاء رحيل الدكتور عاصم في مأساة الأمس ليزيدها حزنا على حزن، ناظم كان أردنيا عروبيا كما ينبغي للكركي أن يكون، وبينما هدت أحداث غزة كثيرون، وأولهم كاتب هذه السطور، فتبين لهم أن الحياة بكل ما فيها باتت "لزوم ما لا يلزم" على رأي المعري، فصاموا عن الكتابة وانطووا على أنفسهم، ناظم لم يفعل، كان يبث التفاؤل بين الناس ويحيي المقاومة باستمرار، ومات مؤمنا بأن لها عقبى الدار، فيما سار عاصم على دربه، وحمل هم الأمة في قلبه، حتى خانته يد جبانة لم تكن الأمة يوما في بالها، ولم تأسُ يوما  على حالها!

أنا مثلك يا ميسون، عرفت معنى الفجائع المتلاحقة، حيث لا يفصل بين الخسارة والخسارة سوى الخسارة، خسرت أمي التي كانت البلاد كما وصفها شاعرها حبيب الزيودي لا كما يريدها أبناء السواد وأحفاد الفرقة:

أردن يا بلدي ويا ضوع الحروف على فمي

يا دار فاطمة التي تبكي لدمعة مريمِ

هز المسيحي الصليب فرَّق قلبُ المسلمِ

ثم ما كدت أصحو من وهل الصدمة برحيلها حتى فقدت اثنين من أوسم أبناء شقيقاتي وأكثرهم شبابا وحبا للحياة، وبينهما أخي الأكبر، حدث هذا كله في سنتين، ولا زلت أذكر رسائلك التي تواسيني أحيانا، وتحفزني على العودة للكتابة أحيانا أخرى، بينما لم أبعث لكِ معزيا برحيل ناظم، ولست أكتب معزيا برحيل عاصم، إذ بات لدي يقين بأن كل كلمات وأفعال المواساة "لزوم ما لا يلزم" أيضا، فما الكلام والصمت إلا سواء، وما الحضور والغياب إلا هباء!

لكني أكتب لك لأنني مذ عرفتك لا أذكر أن أحدنا استخدم مصطلحات كاذبة خاطئة، فلم نتحدث يوما عن "ملح الأرض" و"العيش المشترك"، كان يكفينا ويغنينا أن نحكي عن الكرك، تلك التي تصير أمك يوم لا أم لك!

ورغم ذلك، أكتبِ لكِ مستاءً من الكرك نفسها وعليها، فهي الخصم والحكم، المتهم والبريء، المفتاح والسجان، اليقين والشك، الحلم والكابوس، الطمأنينة والقلق، والحياة والموت!

أكتب لأني لا أعرف ماذا يفعل المرء إذا خاف في موضع أمنه، وتغرب في مكان ألفته، ومرض حيث ينبغي أن يطيب! أكتب بحثا عن أكثر الأوصاف تخفيفا للألم فلا أجد سوى أن الجرح فينا، والطعنة منا!

مواضيع قد تعجبك