خبرني - لم يكن بافيل بريغوجين، الذي اعتاد حياة الرفاهية والطائرات الخاصة، مرشحا واضحا لقيادة إمبراطورية والده العسكرية. لكنه نجح في تثبيت أقدام مجموعة فاغنر في أفريقيا الوسطى، موسعا نفوذها في أسواق الذهب والسلاح والمخدرات.
عندما تحطمت الطائرة الخاصة التي كانت تقل يفغيني بريغوجين، مؤسس مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة، في أغسطس/آب 2023، لم يكن ابنه بافيل قد أمضى وقتا طويلا في تعلم إدارة أعمال العائلة المرتبطة بالمرتزقة. لكن مقتل الأب، الذي دخل في مواجهة علنية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دفع الشاب -البالغ من العمر 25 عاما آنذاك- إلى وراثة شبكة واسعة من الأعمال والأصول المرتبطة بفاغنر، إحدى أشهر مجموعات المرتزقة في العالم وأكثرها إثارة للجدل.
وفي تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، يرسم الصحفي نيكولاس باريو صورة لافتة لبافيل، الذي يبلغ اليوم 28 عاما، إذ لم يكتف بالحفاظ على عمليات فاغنر في معقلها الأفريقي، جمهورية أفريقيا الوسطى، بل عمل على توسيع عملياتها، مستفيدا من علاقات وثيقة مع السلطات المحلية، ومن سيطرة المجموعة على موارد اقتصادية وأمنية واسعة.
400 مليون دولار إيرادات سنوية ونحو 500 مرتزق
وبحسب تقديرات "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية"، التي مقرها جنيف، تحقق شبكة مصالح عائلة بريغوجين، بما فيها الأنشطة المشروعة وغير المشروعة، إيرادات تتجاوز 400 مليون دولار سنويا.
ووفقا للمبادرة التي نقلت عنها الصحيفة، يشرف بافيل من قاعدته في العاصمة بانغي على نحو 500 مرتزق يسيطرون على مناجم للذهب، ويوفرون الحماية الشخصية لرئيس جمهورية أفريقيا الوسطى فوستان آرشانج تواديرا، ويقاتلون الجماعات المسلحة المناوئة لحكومته.
وتحول هذا الوجود إلى مصدر نفوذ يصعب على الحكومة الاستغناء عنه، في حين تشير تقديرات المبادرة إلى أن الإنتاج السنوي لأكبر منجم للذهب في البلاد، الذي سبق أن استولى عليه والده، ارتفعت قيمته في ظل إدارة بافيل إلى نحو 250 مليون دولار.
وتقول ناتاليا دوخان، الباحثة البارزة في المبادرة، إن بافيل سار بسهولة على خطى والده في إدارة العمليات داخل أفريقيا الوسطى. ولم يعد نشاط فاغنر مقتصرا على القتال وتوفير الحماية، بل امتد إلى تجارة السلاح، إذ يتهم باحثون ومسؤولون عسكريون إقليميون المجموعة ببيع أسلحة لجماعات مسلحة في السودان وليبيا.
كما دخلت المجموعة أسواقا استهلاكية محلية، من خلال إنتاج الفودكا والبيرة وتسويقهما، في حين تفيد تقديرات نقلتها الصحيفة بأنها باتت تسيطر على جانب كبير من السوق المحلية للترامادول، وهو مسكّن أفيوني يُصرف طبيا بوصفة طبية، ويجري تداوله أيضا بصورة غير مشروعة.
من حياة الترف إلى الجريمة المنظمة
ويرى لو أوزبورن، الباحث في منظمة "إنباكت" غير الربحية، المتخصصة في تتبع أنشطة فاغنر بأفريقيا، أن المجموعة تحولت من قوة من قوات النخبة إلى شبكة تخلى عنها داعموها السابقون، ويبدو أنها تنزلق بصورة متزايدة نحو أنشطة الجريمة المنظمة.
ويرجح أوزبورن أن السماح لبافيل بمواصلة نشاطه قد يكون نتيجة تفاهم مع الكرملين، أو لأن موسكو لم تعد تراه مصدر تهديد.
لم يكن صعود بافيل مفاجئا تماما لمن تابعوا مسار العائلة. فقد أمضى يفغيني سنوات في إعداد ابنه لخلافته، ومنحه، عندما بلغ سن العشرين، مسؤولية إدارة الفلل الفاخرة والمباني السكنية التابعة للشركة القابضة المملوكة للعائلة.
وفي الوقت نفسه، عمل على إعادة تشكيل صورته العامة، بعدما اشتهر بنمط حياة مترف، ظهر خلاله على وسائل التواصل الاجتماعي في طائرات خاصة وعلى متن يخت العائلة الفاخر.
ولتهيئته لدور أكبر، روج والده لصورة الابن بوصفه وطنيا روسيا ومقاتلا، من خلال صور ومنشورات تتحدث عن مشاركته في الحرب بسوريا، وحصوله على وسام "الصليب الأسود" للشجاعة الذي تمنحه فاغنر، فضلا عن خدمته في أوكرانيا ضابطا للاستخبارات ومشغلا للطائرات المسيرة.
كما عينه وريثا رئيسيا في وصيته، وفقا لوثيقة نشرتها مجموعة "كل العيون على فاغنر" للتحقيقات الاستقصائية.
التحدي الأكبر
لكن التحدي الأكبر الذي واجه الابن لم يكن إدارة الأعمال فحسب، بل الحفاظ على استقلال شبكة والده في أفريقيا الوسطى عن الكرملين.
فبعد تمرد يفغيني بريغوجين القصير في يونيو/حزيران 2023، حين دخل مقاتلوه مدينة روستوف على الدون وهددوا بالتقدم نحو موسكو، سعى الكرملين إلى إحكام سيطرته على أنشطة فاغنر داخل روسيا، وعمل على نقل عملياتها الأفريقية إلى "فيلق أفريقيا" التابع لوزارة الدفاع الروسية، وفقا لما ورد في "وول ستريت جورنال".
وعلى خلاف فاغنر، التي عملت بوصفها شركة عسكرية شبه خاصة تخدم المصالح الجيوسياسية للكرملين، يخضع الفيلق الجديد مباشرة لوزارة الدفاع الروسية والاستخبارات العسكرية.
سارع بافيل إلى التحرك لحماية معقل المجموعة في أفريقيا الوسطى من هذا التحول. وسافر إلى بانغي، حيث التقى ديمتري سيتي، ممثل فاغنر المحلي وأحد المقربين السابقين من والده، ودينيس سوبرونوف، القائد العسكري المحلي لفاغنر، وعقد اجتماعات مع مسؤولين حكوميين.
كما طلب الرئيس تواديرا من موسكو الإبقاء على مقاتلي فاغنر بدلا من استبدالهم بقوات تابعة لوزارة الدفاع الروسية، وساعد بافيل على ترسيخ نفوذ المجموعة من خلال دمج عناصرها في وحدات الشرطة والجيش وأجهزة الاستخبارات المحلية
بانغي تتمسك ببقاء فاغنر
وتقول جوستينا غودزوفسكا، المديرة التنفيذية لمنظمة "ذا سنتري"، وهي منظمة أمريكية غير ربحية متخصصة في التحقيق في شبكات الفساد وتمويل النزاعات، إن بانغي دافعت بقوة عن استمرار ترتيب يقوم على توفير فاغنر الحماية للنظام الحاكم مقابل الحصول على الموارد المعدنية، لأنه أثبت فعاليته.
وتكشف إدارة تجارة الذهب عن مدى تشابك هذه المصالح. ففي أبريل/نيسان 2026، عقد بافيل اجتماعا مع مسؤولين من المجموعة والحكومة لبحث سبل استمرار تدفق الذهب إلى الأسواق الخارجية وتجنب الرقابة الدولية.
وبحسب مسؤولين محليين وباحثين، وافق وزير المناجم والجيولوجيا روفين بنام بيلتونغو على إصدار وثائق تصنف شحنات الذهب على أنها ملك لحكومة أفريقيا الوسطى.
وتفيد المصادر ذاتها بأن شحنات من هذا الذهب نُقلت خلال الأشهر الثلاثة السابقة إلى بيلاروسيا، حليفة موسكو.
نفوذ أمني وسياسي وإعلامي
أما النفوذ الأمني، فيمتد إلى المجالين السياسي والإعلامي، فالمجموعة تمول محطات إذاعية تروج لروسيا وتهاجم الدول الغربية، في إطار حملة إعلامية تهدف إلى تعزيز مكانة الرئيس تواديرا.
وقد فاز تواديرا بولاية رئاسية ثالثة في انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2025، التي طعنت المعارضة في نزاهتها واتهمت السلطات بارتكاب مخالفات خلالها. ويطلق منتقدوه عليه لقب "رئيس فاغنر"، في إشارة إلى النفوذ الواسع الذي يُعتقد أن المجموعة تمارسه على حكومته.
وفي الشوارع، يثير النفوذ المنسوب إلى فاغنر في تجارة المخدرات اتهامات أكثر خطورة. فقد أفاد شهود بأن مقاتلين ملثمين، برفقة الشرطة المحلية، دهموا متجرا لرجل كان يدير سابقا شبكة توزيع الترامادول لحساب المجموعة، قبل أن يعمل بصورة مستقلة.
ورغم أن الرجل فرّ من باب خلفي، فإن مطارديه لحقوا به وضربوه بعد سقوطه، ولم يظهر منذ ذلك الحين، وفق رواية أقاربه.
ويتهم ناشطون محليون مليشيات موالية للحكومة ومتحالفة مع فاغنر بارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القانون وعمليات خطف واستهداف عمال مناجم غير مرخصين يقتربون من مناطق امتياز المجموعة.
وفي الوقت نفسه، أفاد باحثون محليون بأن مقاتلي فاغنر استخدموا مروحيات روسية لمراقبة أنشطة التنقيب عن الذهب قرب حدود جنوب السودان، في مؤشر إلى أن بافيل يتطلع إلى احتياطيات جديدة.
وهكذا، لم يرث ابن بريغوجين مجرد قوة من المرتزقة، بل شبكة متداخلة من السلاح والذهب والسلطة والنفوذ السياسي. وبينما كان والده قد بنى إمبراطوريته عبر علاقاته بالكرملين ومغامراته العسكرية، يبدو أن الابن اختار تثبيت أقدامه في أفريقيا الوسطى، حيث توفر حماية النظام والسيطرة على الموارد أساسا لبقاء فاغنر، حتى مع تغير علاقتها بموسكو.



