خبرني - لماذا نشعر أحيانا بالنفور من شخص نلتقيه للمرة الأولى، رغم أنه لم يُسئ إلينا؟ قد نفضل إبقاء مسافة بيننا وبينه، لكننا حين نحاول تفسير موقفنا لا نجد سببا واضحا. فهل نلتقط إشارات دقيقة في ملامحه وطريقة كلامه، أم نتسرع في تفسيرها والحكم عليه قبل أن نعرفه جيدا؟
قد يذكرك بشخص تود لو نسيته
ليس من الضروري أن يشبه الغريب شخصا آذاك إلى حد يجعلك تنتبه إلى الشبه فورا؛ فأحيانا تكفي ملامح مألوفة ومشابهة لاستدعاء توقعات قديمة في ذهنك، قبل أن تدرك الصلة أو العلاقة بين الوجهين.
يوضح أستاذ علم النفس ديفيد لودن لمجلة "سايكولوجي توداي" (Psychology Today)، المتخصصة في علم النفس والعلاقات، أننا نميل إلى الحكم على الغرباء وفق تشابههم مع أشخاص نعرفهم بالفعل. وقد تكون الألفة نفسها غامضة؛ فنشعر بأن الشخص يشبه شخصا ما، دون أن نتذكر اسما بعينه في الذاكرة.
وفي دراسة أُجريت بجامعة نيويورك ونُشرت عام 2018 في مجلة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم"، اختبر الباحثون كيف يؤثر التشابه بين الوجوه في استعدادنا للثقة بالغرباء. شارك المتطوعون في لعبة مالية تعلموا خلالها أن بعض الشركاء يشاركونهم العائد، بينما يحتفظ آخرون به لأنفسهم. ثم طُلب منهم اختيار شركاء جدد، دون إخبارهم بأن صورهم عُدّلت لتشبه الشركاء السابقين بدرجات متفاوتة.
وأظهرت التجربة أن المشاركين كانوا أقل استعدادا للثقة بغرباء يشبهون الشريك الذي خذل ثقتهم. ويقدم ذلك تفسيرا محتملا للنفور الذي يبدو "بلا سبب" واضح، إذ قد يتأثر شعورنا تجاه شخص جديد بتجربتنا مع شخص آخر، من دون أن ننتبه إلى الصلة بينهما.
ربما يبدو كشخص غاضب
تشير الأبحاث في علم النفس إلى أننا لا ننظر لوجوه الآخرين فحسب، بل نحاول تفسير مشاعرهم البادية على ملامحهم، وقد نقرأ في ملامح أحدهم رسالة لم يقصد صاحبها إرسالها.
وبحسب لودن، قد يجعل انخفاض الحاجبين وجه الشخص يبدو غاضبا، حتى حين لا يشعر بالغضب. وبالمثل، توحي زوايا الفم المرتفعة بالسعادة بصرف النظر عما يشعر به الشخص فعلا. وهكذا قد نخلط بين شكل الملامح والمشاعر التي نظن أنها تعبّر عنها، فنرى صاحب الوجه الذي يبدو غاضبا أقل ودا من غيره.
كذلك قد نلتقي الشخص في وقت يشعر فيه بالضيق. ففي حديثه إلى مجلة "تايم" الأميركية، يوضح الباحث في علم النفس ألكسندر تودوروف أن المرور بيوم سيئ قد يجعل المرء يبدو جافا في المعاملة، وأن الإرهاق وقلة النوم يؤثران في مظهره والانطباع الذي يتركه لدى الآخرين.
المفارقة أننا نعرف كم تتبدل وجوهنا حين نتعب أو ننشغل، لكننا قد نتعامل مع وجوه الغرباء باعتبارها انعكاسا ثابتا لشخصياتهم. ومن هنا قد نحكم على شخص بأنه عبوس أو غير ودود استنادا إلى تعبيراته في لقاء واحد، من دون معرفة الظروف التي يمر بها.
هل ننفر من الشخص أم من نبرة الصوت؟
أحيانا لا تكون المشكلة فيما قاله الشخص لنا، بل في الطريقة التي سمعناه بها. وقد يبدأ ذلك قبل حتى أن يقول شيئا يستحق التقييم.
وبحسب مجلة "سميثسونيان" (Smithsonian)، الأمريكية المعنية بالعلوم والثقافة والتاريخ، سجّل باحثون أصوات نحو 60 شخصا، ثم اقتطعوا من التسجيلات كلمة "مرحبا" بالإنجليزية. واستمع أكثر من 300 مشارك إلى هذه المقاطع، وطُلب منهم تقييم أصحاب الأصوات من حيث صفات مثل الود والجدارة بالثقة، من دون رؤيتهم أو معرفة أي شيء عنهم.
ورغم قصر التسجيلات، مال المستمعون إلى تكوين انطباعات متشابهة عن أصحابها، فبدت لهم بعض الأصوات أكثر ودا أو إيحاء بالثقة من غيرها. ما يعني أن طريقة نطق كلمة واحدة قد تؤثر في شعورنا تجاه شخص ما قبل أن نتعرف إليه.
ولأن التجربة لم تختبر صدق المتحدثين أو أمانتهم، فلا تعني نتائجها أن أصحاب الأصوات المريحة كانوا أكثر استحقاقا للثقة بالفعل.
وبالمثل، قد تجعلنا نبرة ما نتوقع أن صاحبها متعال أو غير ودود، لكن هذا يظل انطباعا يحتاج إلى ما يؤيده من تعامله معنا، ولا تكفي النبرة وحدها لإثباته.
هل نثق في النفور أم نمنح الشخص فرصة أخرى؟
ومع ذلك، هل ثقتنا بأننا "نفهم الناس من أول نظرة" تعني أننا نحكم عليهم بدقة؟ هذا ما اختبره الباحث دانيال إيمز وزملاؤه في ثلاث دراسات نشرتها مجلة "نشرة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي"، المتخصصة في أبحاث الشخصية والسلوك الاجتماعي.
وفيها كوّن المشاركون انطباعات عن شخصيات آخرين اعتمادا على صور ومقاطع فيديو لهم، وحددوا مدى ثقتهم بكل حكم. ثم قارن الباحثون دقة هذه التقييمات.
وتبيّن أن المشاركين لم يكونوا بارعين في معرفة متى أصاب المتحدثون ومتى أخطؤوا؛ فالأحكام التي شعروا بثقة أكبر تجاهها لم تكن بالضرورة أدق. ولا تعني النتيجة أن الانطباعات الأولى خاطئة دائما، وإنما أن الثقة بالانطباع لم تكن مؤشرا موثوقا على دقته.
فقد نكون مقتنعين بأن شخصا ما يبدو غير ودود، من دون أن يكون هذا الاقتناع دليلا على أننا فهمنا شخصيته فعلا، وقد تكشف معرفتنا به لاحقا ما يخالف هذا الانطباع.
وفي النهاية، يمكننا أن نحافظ على مسافة مريحة في التعامل مع شخص لا نرتاح إليه، مع ترك مجال لمراجعة انطباعنا عنه. وإذا جمعتنا به مواقف أخرى، فقد يتضح من تصرفاته ما يبرر تحفظنا أو يغيّر رأينا فيه.
وقد نتقارب مع الوقت، أو تظل العلاقة في حدود التعامل الودّي. فليس من الضروري أن ننسجم مع الجميع، وعدم رغبتنا في توثيق العلاقة بشخص لا يعني بالضرورة أن فيه عيبا، ولا يستلزم أن ننسب إليه صفات سلبية لتبرير اختيارنا.



