*
الاربعاء: 14 أكتوبر 2026
  • 14 أكتوبر 2026
  • 01:03
من نصير لفلسطين إلى فتح سفارتها في القدس كيف انقلب موقف كولومبيا

خبرني - تتجه كولومبيا إلى مرحلة جديدة في علاقاتها مع إسرائيل، مع افتتاح سفارتها، غدا الأربعاء، في القدس المحتلة، بعد أن أعادت الحكومة اليمينية الجديدة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل واستأنفت صادرات الفحم إليها، منهية بذلك سياسة اتبعتها حكومة الرئيس السابق غوستافو بيترو الذي قطع العلاقات مع إسرائيل عام 2024 احتجاجا على الحرب على قطاع غزة.

ويأتي هذا التحول بعد أسابيع من تولي الرئيس أبيلاردو دي لاسبيريا السلطة، متعهدا بتعزيز التعاون مع إسرائيل في مجالات الأمن والدفاع والتجارة والتكنولوجيا، وتقوية العلاقات مع الولايات المتحدة.

كما أعادت بوغوتا رسم توجهات سياستها الخارجية، متراجعة عن نهج الحكومة السابقة في دعم القضية الفلسطينية وتعزيز التقارب مع الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية.

فكيف انتقلت كولومبيا من قطع العلاقات مع إسرائيل إلى التقارب معها وافتتاح سفارة لها في القدس؟ وما دوافع هذا التحول، وما انعكاساته على موقف بوغوتا من القضية الفلسطينية؟

الفحم وحقوق الإنسان والتأثير الأمريكي
شهدت العلاقات الكولومبية الإسرائيلية تحولا واضحا مع وصول الرئيس اليميني دي لاسبيريا إلى السلطة، بعدما اتخذت الحكومة السابقة بقيادة بيترو موقفا منتقدا بشدة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

ففي عام 2024، قطع بيترو العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وقرر وقف صادرات الفحم إليها احتجاجا على الحرب على غزة ووصفها بأنها إبادة جماعية.

وكان هذا الموقف جزءا من توجه أوسع نحو جعل حقوق الإنسان محورا للسياسة الخارجية الكولومبية، وتعزيز استقلالية البلاد عن الولايات المتحدة.

لكن دي لاسبيريا، الذي أدى اليمين الدستورية في أغسطس/آب الماضي، تعهد خلال حملته الانتخابية بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل وتعزيزها على نحو غير مسبوق.

وبعد توليه الرئاسة، أعلن دي لاسبيريا استئناف العلاقات الدبلوماسية، وأبدى دعمه لإسرائيل، مؤكدا أنها صديق وحليف لكولومبيا


وقال بيان صادر عن مكتبه الإعلامي إن العلاقة الجديدة ستقوم على الثقة السياسية والتعاون الإستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية والأمن والابتكار، إلى جانب اتخاذ موقف واضح في مواجهة التهديدات التي تواجهها الدول الحرة.

وفي خطوة اقتصادية موازية، قررت الحكومة الجديدة استئناف تصدير الفحم إلى إسرائيل، بعد تعليق هذه الصادرات في عهد بيترو، وأعلن وزير التجارة ماوريسيو غوميز صدور المرسوم الذي يجيز استئناف التصدير.

وكانت كولومبيا موردا رئيسيا للفحم إلى إسرائيل، إذ بلغت قيمة صادراتها إليها نحو 450 مليون دولار عام 2023، وفقا لأرقام السفارة الإسرائيلية في بوغوتا.


لماذا تنقل كولومبيا سفارتها إلى القدس؟
أعلن دي لاسبيريا عزمه نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، تنفيذا لتعهد قطعه خلال حملته الانتخابية، كما قرر إلغاء مشروع افتتاح سفارة كولومبية في رام الله.

ومن جانبه أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن السفارة الكولومبية ستُفتتح في القدس، مشيدا بتعزيز العلاقات مع بوغوتا.

كما أفاد مسؤول في الخارجية الكولومبية بأن الوزير عمر بولا إسكوبار سيسافر إلى القدس قبل مراسم الافتتاح.

ويمثل اختيار القدس مقرا للسفارة تحولا بالموقف الكولومبي، إذ تتخذ معظم الدول التي تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل من تل أبيب مقرا لسفاراتها، في ظل عدم اعتراف المجتمع الدولي بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعتبار وضع المدينة المقدسة من القضايا التي ينبغي حسمها في إطار التسوية النهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ومن ثم، فإن نقل السفارة يعكس  تموضعا سياسيا جديدا يقرب بوغوتا من الحكومة الإسرائيلية، وينسجم مع السياسة التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ثم الحكومة الأرجنتينية برئاسة خافيير ميلي.

ويقرأ مراقبون هذه المشاركة بوصفها أكثر من مجرد تمثيل إجرائي، إذ تأتي بعد أسابيع من إعلان الحكومتين عزمهما إعادة العلاقات الكاملة، وتعيين سفيرين، وإلغاء التأشيرات، وإطلاق مرحلة جديدة من التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي.

وتنضم كولومبيا، بهذا القرار، إلى مجموعة محدودة من الدول التي افتتحت سفارات في القدس، من بينها الولايات المتحدة وغواتيمالا وباراغواي وكوسوفو وهندوراس وبابوا غينيا الجديدة وفيجي وناورو، وإقليم أرض الصومال.

ما دوافع التقارب مع إسرائيل؟
يرتبط التقارب الجديد بتوجهات دي لاسبيريا السياسية، الذي وعد خلال حملته الانتخابية بإقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل، وتعهد بأن تكون كولومبيا حليفا وفيا لها.

وقد أكد الرئيس هذا التوجه خلال زيارته كنيس بيت إيل بمدينة بارانكيا، حيث جدد دعمه لإسرائيل، وربط استئناف العلاقات الدبلوماسية وتصدير الفحم وقرار نقل السفارة إلى القدس بمواقفه المؤيدة لها.

ولاقت تصريحاته ترحيبا إسرائيليا، إذ شكره وزير الخارجية الإسرائيلي على زيارته ومواقفه، معربا عن أمله في أن تعود العلاقات بين الجانبين أقوى من أي وقت مضى.

وفي المقابل، تسعى الحكومة الكولومبية الجديدة إلى تقوية علاقاتها بواشنطن، وإعادة ترتيب أولويات سياستها الخارجية على أساس المصالح الاقتصادية والتجارية.


كيف ينعكس التحول على القضية الفلسطينية؟
يمثل التراجع عن سياسة بيترو تجاه إسرائيل تغيرا في أحد أبرز ملفات السياسة الخارجية الكولومبية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما أن القضية الفلسطينية كانت محورا أساسيا في مواقف الحكومة السابقة من الحرب على غزة.


فقد تبنى بيترو خطابا منتقدا لإسرائيل والولايات المتحدة، وربط سياسته الخارجية بالدفاع عن حقوق الإنسان، في حين تتجه الحكومة الجديدة إلى استعادة التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري مع إسرائيل.

ويرى المحلل السياسي الكولومبي نيستور روزانيا، المتخصص في قضايا الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، في حديثه للجزيرة نت في أغسطس/آب الماضي، أن هذه الخطوات تعني التخلي عن أي دور وساطة في الحرب الإسرائيلية على فلسطين، واستعادة التحالف الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري مع إسرائيل، بما قد ينعكس على توجهات كولومبيا إزاء مجمل قضايا الشرق الأوسط.

ولا يقتصر التغيير على العلاقة مع إسرائيل، بل يمتد لتوجهات بوغوتا الإقليمية، فقد أعلن دي لاسبيريا عزمه قطع العلاقات مع كوبا ونيكاراغوا وإغلاق سفارتي البلدين، في إطار توجه لتقليص التعاون مع الحكومات اليسارية بأمريكا اللاتينية.


ما تداعيات التحول الكولومبي على علاقات بوغوتا الدولية؟
يؤكد المحلل السياسي روزانيا أن صعود اليمين واليمين المتطرف في عدد من دول المنطقة يوفر بيئة سياسية أكثر انسجاما مع توجهات الرئيس الجديد.

غير أنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذه السياسة قد تضيق هامش الحركة الدولية لكولومبيا، وتزيد اعتماد اقتصادها على الولايات المتحدة، على حساب تنويع شراكاتها التجارية الذي سعت إليه البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وبذلك، لا يمثل افتتاح السفارة الكولومبية بالقدس خطوة منفصلة، بل يأتي ضمن تحول أوسع في توجهات بوغوتا، انتقلت فيه الحكومة من سياسة اتسمت بانتقاد إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية إلى نهج يركز على استعادة التحالف مع إسرائيل وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة.

مواضيع قد تعجبك