اللوحة الكبيرة في قاعة المغادرة بالرياض تعرض الإقلاعات: في الموعد. متأخرة. ملغاة.
ثم ظهرت لوحة ثانية.
أسماء. وجنسيات.
في العاشر من تشرين الأول سقط صاروخ على مجمّع صالات في مطار الملك خالد.
اثنا عشر قتيلا. وثلاثمئة وتسعة جرحى.
ثم صدرت القائمة. أربعة سعوديين. وبنغاليان. وأمريكي ومصري وأردني وسوري وفلسطيني وسوداني.
ثماني جنسيات في قاعة واحدة. جمعها الانتظار.
الصاروخ لا يقرأ الجوازات. أما اللوحة فتقرؤها، اسما اسما وبلدا بلدا.
جمع الصاروخ في قاعة واحدة ما عجز مؤتمر عن جمعه في فندق!
ثم مات هندي متأثرا بجراحه. فصار القتلى ثلاثة عشر.
وفي اليوم التالي أصاب مقذوف المبنى الرابع من المطار نفسه وأشعل فيه حريقا. فمات مقيم باكستاني، وأصيب أحد عشر.
ثماني. ثم تسع. ثم عشر.
القائمة تكتمل قبل أن يجتمع أحد.
بين الأسماء الأردني البرقاوي. وأربعة من أبناء بلده أصيبوا معه، بحسب الخارجية الأردنية.
وفيها مضيفة مصرية في الثامنة والعشرين، قالت تقارير إنها كانت في عملها.
وفيها فلسطيني وسوري وسوداني. جاؤوا من بلدان أنهكتها الحروب، وربما ظنوا أن الخوف بقي خلفهم حين عبروا بوابة المطار.
وفي بنغلاديش بيت ينتظر حوالة. وصله خبر بدلها.
وفي قاعة الوصول، حيث تنتظر الأسر عادة وجها يطل من الباب، ينتظر آخرون هذه المرة ورقة بأسماء.
في عمّان بيت تلقى الخبر. وفي بلد المضيفة المصرية بيت آخر.
وفي الخرطوم ودمشق ورام الله بيوت تعرف أن الغربة أخذت منها ما أخذته الحرب.
تخيل هاتفا يرن في قرية بعيدة، ويدا تمتد إليه وهي تتوقع صوتا آخر.
اشتروا تذاكر ذهاب وإياب. فوصلتهم تذكرة ذهاب فقط!
وفي رواية «الطاعون» تغلق مدينة أبوابها، ويصير الإحصاء يعلن كل أسبوع. ويعلق صحفي باريسي بين الجدران، يريد أن يهرب إلى من يحب.
ثم يقرر البقاء. ويقول لنفسه إن في أن يسعد المرء وحده شيئا من العار.
وفي الرياض أغلقت القاعة. والإحصاء يعلن كل يوم.
قرر بطل الرواية أن يبقى. وضحايا القاعة بقوا بلا قرار.
بقي المطار مغلقا. وبحسب بيانات فلايت رادار 24 التي نقلها موقع غلف بزنس، ألغي 98 بالمئة من إقلاعات الرياض يوم الأحد، و64 بالمئة صباح الاثنين.
ولم يبق الإغلاق في الرياض وحدها. ففي يوم الأحد نفسه ألغيت 158 إقلاعا في جدة و58 في الدمام، بحسب غلف بزنس.
وألغت شركات من الإمارات وقطر والكويت وألمانيا والهند إقلاعات لها.
وأعلنت السلطات السعودية تحويل المدارس أسبوعا إلى التعليم عن بعد.
وهذا ما يفعله الصاروخ حين يصيب الحياة المدنية: يرسل الأطفال إلى بيوتهم بقرار.
أي أن الصاروخ ربح جدولا قبل أن يربح أي معركة.
واعترضت الدفاعات صاروخ كروز قرب المطار، وسقط مقذوف قرب مطار الدمام. وفي الحساب نفسه تتحدث السلطات عما اعترضته. وتتحدث القائمة عما وصل.
كل اعتراض ناجح خبر صغير. وكل اختراق واحد خبر كبير.
وفي حزيران 2019 أصاب هجوم حوثي مطار أبها، فقتل سوريا وجرح واحدا وعشرين.
كان ذلك سطرا في نشرة. ثم انطوت الصفحة.
والحوثيون، بحسب أسوشيتد برس، أعلنوا مسؤوليتهم. وقالوا إن مطارات السعودية وأجواءها «ساحة عمليات»، واستثنوا مكة والمدينة وحدهما.
لاحظ ما يعنيه الاستثناء. صار طرف يمني يقرر أي قاعة تفتح وأي قاعة تغلق.
وبعد أن كان ملفا يمنيا، صار ممسكا بمفتاح قاعة.
ووصف التحالف الهجوم بأنه جريمة حرب، وتوعد برد حازم. وقال رئيس أمريكا إن بلاده «ربما» تتدخل.
واشنطن تدرس. والقاعة تشتعل!
ومعاهدة الدفاع العربي المشترك موقعة منذ عام 1950. وما زالت تنتظر اجتماعا طارئا واحدا يخرج منه ما يحمي قاعة.
وللمتحفظ حجة صحيحة: الدفاع الجوي شأن سيادي، والسعودية تحمي سماءها. وتعترض ما تعترض.
والجواب في القائمة نفسها. فالإنذار المبكر معلومة تنتقل، وليس جيشا يتحرك. والعاصمة التي تتلقى المعلومة تبقى صاحبة القرار.
وقد وصلت الضحية إلى أمريكا وبنغلاديش والهند وباكستان. صارت القضية قضية عشر جنسيات.
وفي الرباط مقر المنظمة العربية للطيران المدني، وهي تعمل في أمن الطيران. يكفي اجتماع طارئ واحد ليخرج منه ثلاثة أشياء.
قناة إنذار دائمة بين المطارات العربية.
وبروتوكول يبلغ شركات الطيران والركاب في الدقيقة نفسها.
وصندوق يعوض الأسر في اليوم نفسه، مباشرة وبملف واحد.
وتخيل لوحة واحدة تعرض حالة الأجواء في المطارات العربية كلها لحظة بلحظة. تشاهدها الشركات والركاب والعواصم في آن.
وتخيل شيئا آخر. أن تعرض لوحات المغادرة في المطارات العربية كلها، دقيقة واحدة في يوم واحد، أسماء من وصلوا إلى نهاية الانتظار.
دقيقة صمت بحجم قارة.
وفي العالم سابقة تصلح نموذجا: إعلان دولي للمدارس الآمنة، تتعهد فيه الدول بحماية التعليم من الهجمات. وتخيل «إعلانا للمطارات الآمنة» توقعه الدول العربية قبل غيرها، يضع المطار المدني خارج الحساب العسكري، ويحدد لمن يخالفه ثمنا معلنا.
وفكرة ثانية: تأمين جوي عربي مشترك تموله الشركات والمطارات، يدفع للأسر في اليوم نفسه، ويحول كل إغلاق إلى فاتورة تقرأها العواصم.
هذه اقتراحات تحتاج إلى دراسة فنية وقانونية ومالية. وتستحق أن توضع على الطاولة قبل الهجوم التالي.
وللأسر المنكوبة اعتراض مفهوم: الاعتراض الكامل مستحيل. وهذا صحيح.
لكن الإنذار يمنح دقائق. والدقائق في قاعة مزدحمة تعني أن ينجو أحدهم.
الصاروخ يعد الجنسيات. والجامعة تعد البيانات.
البيان يصل في ساعات. والإجراء يحتاج إلى ميزانية ومسؤول وموعد.
البيان يعلن الموقف. والإجراء يختبره.
وفي القائمة اسم يضاف كل يوم. وكل قاعة عربية أخرى تحمل الاحتمال نفسه.
السماء المفتوحة تجمع البشر قبل أن تجمع الطائرات.
وهذه القائمة هي العربية الوحيدة التي اكتملت بلا قمة!
ثماني، ثم تسع، ثم عشر: فمتى يصير الدفاع المشترك أسرع من القائمة؟!
https://emad-dawoud.netlify.app/



