خبرني - دأبت الفنانة الموسيقية، تشيس غاليا، على كبح مشاعر الغضب التي تنتابها، خشية أن تُوصم بأنها "هستيرية" أو "صعبة التعامل في بيئة العمل".
وتوضح غاليا أنه، من "العبء الذهني" الذي تتحمله النساء، إلى التمييز على أساس الجنس في مكان العمل، وصولاً إلى ما هو أشد خطورة، والمتمثل في العنف ضد المرأة، "لا ندرك حجم ما نقبله، ولا مدى التزامنا الصمت".
أما الآن، فتقول إنها باتت تُعبّر عن غضبها دون كبت: "إذا أطلق أحدهم صفير استهجان تجاهي في الشارع، فإنني أستشيط غضباً، ولا أبالي".
ومن بيئة العمل إلى الثقافة الشعبية، يرى خبراء أن نساء مثل غاليا، البالغة من العمر 34 عاماً، أصبحن يتحدثن عن غضبهن بصورة متزايدة وأكثر علانية مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق.
وتقول عالمة النفس، تارا براخ: "النقطة الأساسية هي أن وراء الغضب أمراً يهمّنا، فالغضب رسول يحمل رسالة، ويمنحنا الطاقة اللازمة لحماية أنفسنا، ومواجهة أوجه الظلم، ورسم الحدود، وإحداث التغيير".
فما تأثير ذلك في حياة المرأة المهنية والشخصية؟ وما الذي يمكنها فعله للتعامل مع هذه القضية؟
بدأت المعالجة النفسية، جينيفر كوكس، مؤلفة ومشاركة في تقديم بودكاست يحمل اسم "نساء غاضبات"، البحث في ظاهرة الغضب بعدما لاحظت أن كبت مشاعر الغضب عند المترددات على عيادتها من النساء يمثّل سبباً جذرياً لبعض الحالات الجسدية التي يعانين منها.
وتقول: "كان يوجد نمط متكرر لنساء يشكون لي من أنهن يعانين من صداع نصفي واضطرابات المعدة ومشكلات الجهاز العضلي الهيكلي والجهاز المناعي، وفي النهاية أصبح من الصعب تجاهل هذا الأمر".
وتضيف: "كنّ يحاولن ضمان سير أمور أطفالهن على النحو الصحيح، والعناية بصحتهن النفسية، وإيجاد طريقة لأداء وظائفهن أيضاً".
وفي وقت لاحق، نظّمت كوكس جلسات جماعية أفرغت خلالها كثير من النساء مشاعر غضبهن المكبوتة والمتراكمة لديهن.
وتقول: "نشأنا على هذه الأفكار السخيفة المرتبطة بضرورة أن نكون (فتيات جيدات) وغرسوا فينا فكرة أن نكون جيدات، ومهذبات، وطيبات، ومراعيات للآخرين، ونهتم بهم".
وتضيف: "يتمثل التغيير الكبير، مقارنة بالأجيال السابقة، في أن التوقعات المفروضة علينا أصبحت تقتضي أن نتولى كل شيء".
وتتفق براخ على أن للغضب دوراً مشروعاً.
وتقول: "يصبح الغضب غير صحي عندما يستحوذ علينا، أو عندما نتصرف بطرق تُلحق الضرر".
وتوصي براخ، لكي نوجّه الغضب توجيهاً فعّالاً، بممارسة اليقظة الذهنية، ولا سيما استراتيجية "رين (RAIN)"، التي تتضمن التعرّف على المشاعر، والسماح للنفس باختبارها، ورصد أسبابها، ورعاية مشاعر التفهّم.
تقول يان دانغ، مدرّبة في شؤون الحياة التي تعمل على تدريب النساء في المناصب القيادية العليا في المجالات التي يهيمن عليها الرجال، إن الغضب البنّاء يمكن أن يسهم فعلياً في تعزيز مكانة المرأة في بيئة العمل.
وترى أن النساء اللواتي يسعين إلى إرضاء الآخرين ويمتنعن عن إظهار المشاعر السلبية قد يتمكنّ من بلوغ مستوى معين في السلم الوظيفي، بيد أن الوصول إلى أعلى مراتبه يتطلب تحدي الأوضاع القائمة وإحداث بعض التغيرات فيها.
وتقول: "تتمتع النساء بقدرة كبيرة على تعلّم القواعد عندما نعرف ماهيتها، بيد أن القواعد في عالم الشركات تختلف اختلافاً تاماً".
وتوضح أن كثيرات من النساء يدركن قدرتهن على تحقيق التفوق الأكاديمي ما دمن يجتهدن في العمل ويستعددن جيداً، لكنهن قد يواجهن صعوبات عند الانتقال إلى بيئة العمل، حيث لا يكون طريق تحقيق النجاح واضحاً بنفس القدر.
ولا تتوافر بيانات كثيرة عن غضب النساء في مكان العمل، بيد أن إحدى أحدث الدراسات في هذا المجال، التي نُشرت عام 2020، أظهرت أن النساء اللواتي يُظهرن غضبهن يُنظر إليهن باعتبارهن أقل استحقاقاً للمكانة والنفوذ، بينما لا يُصدر الحكم نفسه على نظرائهن من الرجال.
وتقول دانغ إن العامل الحاسم يتمثل في معرفة كيفية توظيف الغضب وتوجيهه بطريقة تعكس المشاعر الحقيقية للمرأة وتعبّر عنها بصدق.
وتقترح أن تلجأ النساء إلى استخدام عبارات مباشرة، مثل: "أرفض هذا الأمر رفضاً قاطعاً"، و"لا يعجبني هذا"، و"أنا أيضاً أشعر بالإحباط".
كما تنصحهن بأن "يعملن على تنمية قدرتهن" على الدفاع عن أنفسهن، حتى لو كنّ غير مستعدات لتقديم رد محكم ومتكامل تماماً.
في الماضي، كانت الشخصيات النسائية الغاضبة، مثل أليكس فورست، التي جسّدت شخصيتها غلين كلوز في فيلم "جاذبية قاتلة"، أو كاري، التي جسّدت شخصيتها سيسي سبيسك في الفيلم الكلاسيكي المقتبس من رواية رعب للكاتب ستيفن كينغ، تُقدَّم بدون شك باعتبارها شخصيات مضطربة نفسياً وخطيرة.
لكننا نشهد على نحو متزايد صوراً أكثر إيجابية للنساء الغاضبات في وسائل الإعلام، وفقاً لما تقوله كوكس، التي تضيف أن هذه التمثيلات أكثر فائدة وصحة.
ومن الأمثلة على ذلك ألبوم ليلي ألين الصادر عام 2025 بعنوان "فتاة ويست إند West End Girl" الذي وثّق بوضوح وصراحة نهاية زواجها من الممثل ديفيد هاربور، فضلاً عن فنانات مثل تشارلي إكس سي إكس، وأوليفيا رودريغو، وتشابيل روان، اللواتي أصدرن أغنيات تتضمن صوراً عنيفة، بل وتشتمل حتى صرخات غضب.
وعلى الشاشة، قدّم فيلم "باربي (Barbie)"، الذي حقق نجاحاً جماهيرياً مدوياً عام 2023، صورة للدمية الشهيرة وهي تعبّر عن إحباطها من عالمها الذي يُفترض أنه كامل ومثالي.
وإلى جانب التمييز على أساس الجنس الذي تواجهه النساء في حياتهن اليومية، تلعب التهديدات المستمرة، بما فيها المطاردة والتحرش والعنف المنزلي، دوراً محورياً في حشد النساء حول مشاعر الغضب والتحدي.
ويشكّل العنف ضد النساء والفتيات ما يقرب من 20 في المئة من إجمالي الجرائم المسجلة في إنجلترا وويلز، بيد أن كثيراً من هذه الحالات لا يُبلَّغ عنها.
وبالنسبة إلى غاليا، فقد أسهمت قدرتها على التحدث بمزيد من الصراحة والانفتاح مع نساء أخريات عن تجربتها بشأن كراهية النساء في صناعة الموسيقى، فضلاً عن الاعتداء الجنسي الذي كانت ضحيته، في توضيح مشاعر الإحباط التي تعانيها وترسيخ فهمها لها.
وتقول: "أعتقد أننا نشعر بالغضب منذ زمن طويل، لكننا أصبحنا الآن قادرات على التواصل مع أخريات بفضل وسائل التواصل الاجتماعي"، مضيفة أنها تشعر بأن النساء أصبحن أكثر انفتاحاً مقارنة بما كنّ عليه في السابق من حيث التعبير عن مشاعرهن السلبية بصورتها الحقيقية، دون إصلاح أو تجميل.



