*
السبت: 10 أكتوبر 2026
  • 10 أكتوبر 2026
  • 14:37
اليوم العالمي للصحة النفسية حين يبتسم الإنسان أمام الجميع فمن يسأل عن حزنه
الكاتب: عمر الدريني

خبرني - ليس كل من يضحك سعيدًا، ولا كل من يواصل عمله بخير، ولا كل من يقول «أنا بخير» يملك القدرة على شرح ما يحدث في داخله، ثمة معارك لا تترك كدمات على الجسد، ولا تظهر في الصور، ولا يسمع أحد أصواتها؛ يخوضها أناس يجلسون إلى جوارنا، ويؤدون واجباتهم، ويمنحون الآخرين الطمأنينة، ثم يعودون إلى وحدتهم محمّلين بما لم يجدوا فرصة للبوح به.

في العاشر من تشرين الأول، الذي يصادف اليوم العالمي للصحة النفسية، يعود السؤال الإنساني الأهم: كم إنسانًا منحناه فرصة حقيقية ليتحدث عن ألمه دون خوف؟ فهذه المناسبة ليست مجرد تاريخ على التقويم، بل تذكير بأن الإنسان ليس جسدًا يعمل، وعقلًا ينتج، ويدًا تنجز فحسب؛ إنه أيضًا مشاعر تتعب، وذاكرة تتألم، وأحلام قد تنكسر، وحاجة أصيلة إلى الأمان والانتماء والشعور بأن وجوده مهم.

اعتادت مجتمعات كثيرة أن تحتفي بالقوة، لكنها لم تتعلم دائمًا كيف تفهم هشاشة الإنسان، نربّي أبناءنا على الصبر، وهذه فضيلة، لكننا قد نخلط بين الصبر والصمت، وبين التماسك وإنكار الألم. نقول للطفل: «لا تبكِ»، وللمراهق: «هذه مجرد مرحلة»، وللبالغ: «الجميع يعاني، تحمّل»، وقد نظن أننا نواسيهم، بينما نضيف، من حيث لا نشعر، بابًا جديدًا إلى الأبواب المغلقة في وجوههم.

ليس المطلوب أن يتحول كل حزن إلى تشخيص طبي، ولا أن تصبح الحياة خالية من لحظات الألم، المطلوب أن نفهم الفرق بين مشاعر طبيعية تحتاج إلى الوقت والاحتواء، ومعاناة تستدعي مساعدة متخصصة، وأن نتوقف عن التعامل مع طلب الدعم النفسي باعتباره ضعفًا أو نقصًا في القدرة على مواجهة الحياة، فالإنسان لا يفقد كرامته حين يحتاج إلى المساعدة، كما لا يفقد قيمته حين تتراجع قدرته على الاحتمال.

وفي المدرسة، قد يجلس طالب في مقعده حاملًا كتابه، بينما تدور داخله حكاية لا يعرفها أحد، ربما يتعرض للتنمر، أو يعيش اضطرابًا أسريًا، أو يخشى الفشل، أو يشعر بأنه غير مرئي وسط زملائه، وقد يُفسَّر صمته على أنه إهمال، وعصبيته على أنها سوء تربية، وتراجع تحصيله على أنه كسل، قبل أن يسأل أحدهم: ما الذي يحدث لهذا الطفل؟

إن المدرسة التي ترى العلامة ولا ترى صاحبها، والسلوك ولا تبحث عن أسبابه، تفوّت فرصة تربوية وإنسانية ثمينة، والمدرسة التي تنصت وتحمي وتفتح طريقًا آمنًا للتواصل مع الأسرة والمرشدين والمختصين، تعلّم أبناءها أن طلب المساعدة حق، وأن احترام المشاعر جزء من احترام الإنسان.

ولا تتوقف المسؤولية عند المدرسة، ففي البيت، قد يكون الإصغاء أبلغ من النصيحة، وفي مكان العمل، قد تكون العدالة واحترام الحدود وتخفيف الضغوط غير المعقولة جزءًا من حماية الإنسان، وعلى المؤسسات الصحية أن توفر خدمات ميسّرة تحترم الخصوصية والكرامة، وعلى الإعلام أن يبتعد عن الوصم والسخرية والإثارة.

وفي الأردن، كما في سائر المجتمعات، لا يكفي أن نرفع مستوى الوعي إذا ظل بعض الناس يخشون نظرة المحيطين بهم أكثر مما يخشون استمرار معاناتهم. نحتاج إلى أسر أكثر تفهمًا، ومدارس أكثر احتواءً، وبيئات عمل أكثر إنصافًا، وخدمات نفسية يمكن الوصول إليها دون خوف أو خجل.

في هذا اليوم، لنبدأ بأفعال بسيطة: أن نصغي دون مقاطعة، وألا نسخر من مشاعر أحد، وأن نلاحظ التغيرات التي تطرأ على من نحب، وأن نشجّع على طلب المساعدة المتخصصة عندما تستدعي الحاجة، فالكلمة الرحيمة لا تحل كل المشكلات، لكنها قد تجعل الطريق إلى الحل أقل وحدة.

ربما لن نعرف أبدًا عدد الأشخاص الذين أخفوا حزنهم خلف ابتسامة، لكننا نستطيع تغيير شيء في الحكاية المقبلة.

فليس أعظم ما نقدمه لإنسان متعب أن نطالبه بالوقوف مجددًا، بل أن نجعله يشعر بأنه لن يفقد مكانه بيننا إذا جلس قليلًا ليستريح.

مواضيع قد تعجبك