*
السبت: 10 أكتوبر 2026
  • 10 أكتوبر 2026
  • 14:35
النشوز ليس مؤنثاً فلماذا تُوصم به الزوجة وحدها
الكاتب: د. أحلام ناصر

خبرني - عبر العصور وحتى هذه اللحظة، لا أعرف من أين جاءت وصمة النشوز وكأنها تهمة تخص الزوجة وحدها دون الزوج، هل هناك فرضية غير معلنة بأن الرجل يقدم دائماً ما عليه من واجبات، وأن الخلل في الحياة الزوجية يأتي عادة من قصور الزوجة، أم أن هذا المفهوم من المواريث التي تداولناها جيلاً بعد جيل حتى أصبح مألوفاً دون أن نتوقف عند مدى عدالته أو صحته، فعندما تُذكر كلمة النشوز في أي مؤسسة اجتماعية أو رسمية ترتبط تلقائياً بالزوجة، تركت بيت الزوجية، لم تقدم الطاعة، لم توافقه الرأي، أو لم تلب رغباته، فتوصم فوراً بالنشوز، ومع تكرار ذلك أصبح النشوز في الوعي الاجتماعي وكأنه وصف خاص بالزوجة، رغم أن الرجوع إلى أصل المفهوم يكشف صورة مختلفة وأكثر واقعية وعدالة.
فالنشوز في اللغة مأخوذ من النَّشَز، أي المكان المرتفع من الأرض، وهو ما يعكس أيضاً معنى الارتفاع والخروج عن الوضع المعتاد، وقد ورد في لسان العرب عن أبي إسحاق أن النشوز يكون بين الزوجين، ويرتبط بكراهة كل منهما للآخر وسوء عشرته له، كما يذكر أن الرجل قد ينشز على زوجته فيجفوها ويضر بها، كما قد تنشز المرأة على زوجها، وبالتالي، فقبل أن يصبح النشوز مصطلحاً قانونياً أو اجتماعياً، كان في أصله وصفاً لاختلال العلاقة بين طرفين، كما استخدم القرآن الكريم الكلمة في الاتجاهين، ففي الحديث عن الزوجة جاء قوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن} النساء:34، وفي السورة نفسها وعند الحديث عن الزوج جاء قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً} النساء:128، وهنا يصعب من أي زاوية اختزال مفهوم النشوز في الزوجة وحدها، لأن النص القرآني استخدم اللفظ نفسه في وصف احتمال وقوعه من الزوج.
لكن صورته ليست متطابقة بالضرورة عند الطرفين، فنشوز الزوجة تقليديًا، ارتبط في جانب منه بامتناعها عن بعض الحقوق الزوجية الواجبة أو خروجها من بيت الزوجية دون مسوغ شرعي، بينما يظهر نشوز الزوج في الإعراض والجفاء والإضرار وترك ما عليه من حقوق تجاه زوجته. 
ووفقا للموقع الرسمي لدائرة الإفتاء في الأردن، فالشقاق كما يقول الإمام الطبري رحمه الله: "مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشق عليه من الأمور، فأما من المرأة، فالنشوز وتركها أداء حق الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها، وأما من الزوج، فتركُه إمساكها بالمعروف أو تسريحها بإحسان" [تفسير الطبري 8/318]
وهنا يجب التمييز بين المفهوم الشرعي الواسع وبين التعريف القانوني المحدد، ففي قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم 15 لسنة 2019، جاءت المادة (62) في باب النفقة لتعرّف الزوجة الناشز بأنها التي تترك بيت الزوجية بلا مسوغ شرعي، أو تمنع الزوج من الدخول إلى بيتها في الحالة التي نص عليها القانون، ويترتب على ذلك سقوط نفقتها، ما لم تكن حاملاً، فالقانون نفسه لم يجعل مجرد خروج المرأة من البيت نشوزاً، بل اعتبر من المسوغات المشروعة لخروجها ( إيذاء الزوج لها، أو إساءة معاشرتها، أو عدم أمانها على نفسها أو مالها)، وعليه فإن الاستخدام الشعبي للمصطلح أوسع بكثير من استخدامه القانوني، فالزوجة ليست ناشزاً لمجرد أنها تختلف في الرأي مع زوجها، وليست ناشزاً لأنها تعترض على قراره، وليست ناشزاً بالضرورة لأنها غادرت المنزل، فالقانون الذي رتب أثراً مالياً على نشوز الزوجة اشترط وجود حالة محددة، واعتبر الإساءة والأذى وعدم الأمان أسباباً مشروعة لخروجها.
وهنا اشير الى ان قانون الأحوال الشخصية الأردني لم يستخدم تعبير الزوج الناشز صراحةً مثلما استخدمه للمرأة في مادة النفقة، لكن هذا لا يعني أن الزوج يستطيع الإخلال بحقوق زوجته دون أثر قانوني، فقانون الأحوال الشخصية يعالج الضرر والشقاق وإصرار أي من الطرفين على الإخلال بالحقوق والواجبات الزوجية، ويتيح طلب التفريق عندما يصبح الضرر مانعاً لاستمرار الحياة الزوجية. ودائرة الإفتاء الأردنية تؤكد بدورها أن العلاقة الزوجية تقوم على المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف، وأن الاعتداء أو الإهانة لا يجوزان لأي من الزوجين.
الأخطر أن تتحول كلمة ناشز من توصيف لحالة لها شروطها إلى أداة تخويف وضغط داخل البيت، تُستخدم لإسكات الزوجة أو تهديدها كلما اعترضت أو طالبت بحق، بدلاً من البحث في أصل الخلل ومن أخل بواجباته أو تسبب بالضرر، فاختلال الحياة الزوجية لا يبدأ عادة في المحكمة، بل قد يبدأ بالهجر أو الصمت أو الإذلال أو العقاب المالي أو حرمان أحد الطرفين من حقوقه، وعندما تتحول هذه السلوكيات إلى نمط مستمر فهي تهدد استقرار الأسرة كلها، لذلك لا ينبغي أن يصبح النشوز وصفاً جاهزاً لكل خلاف، بل يُفهم باعتباره إخلالاً حقيقياً بالعشرة بالمعروف، قد يصدر من الزوجة أو من الزوج، بينما يبقى الأصل هو الإصلاح وحماية الأسرة والحقوق معاً.

مواضيع قد تعجبك