*
الجمعة: 09 أكتوبر 2026
  • 09 أكتوبر 2026
  • 19:00
كيف تغيّرت حسابات الردع الإيرانية بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر

خبرني - في الأشهر التي تلت هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تحدث المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي عن تغير في الحسابات الإقليمية، متصوراً مستقبلاً يُجبَر فيه أعداء الجمهورية الإسلامية على قبول الوضع الجديد لـ "محور المقاومة". فمن وجهة نظر الزعيم الإيراني، كان الهجوم الذي أطلقت عليه حماس اسم "عملية طوفان الأقصى"، تمهيداً لتغيير موازين القوى في المنطقة، وهي توقعات واجهت لاحقاً تحديات كبيرة.

لمواكبة هذه التطورات، وسّعت إيران نطاق استخدام قدراتها العسكرية ووظفت موقعها الجغرافي؛ حيث لعبت الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرة على تعطيل طرق التجارة الإقليمية دوراً مطّرد الأهمية في مساعي طهران لفرض أثمان باهظة على خصومها.

وعلى الرغم من أن الجماعات الحليفة لا تزال جزءاً من هذه الحسابات، إلا أن هناك حالة متزايدة من عدم اليقين بشأن الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها هذه الجماعات، وبشأن الثمن الذي قد تدفعه جراء ذلك.

فكيف حدث هذا التحول في أولويات إيران وأدوات نفوذها؟ وكيف تراجعت الثقة في مفهوم "العمق الاستراتيجي" لصالح مساعٍ لاستعادة القدرة على الردع داخلياً في ظل الحرب المستمرة؟

عندما وصلت الحرب إلى داخل الحدود
في السنوات التي سبقت السابع من أكتوبر، كانت العلاقات العسكرية التي تربط إيران بجماعات مسلحة إقليمية جزءاً من ترتيبات وصفها مسؤولو الجمهورية الإسلامية بأنه صمام أمان للبلاد.

وقد كان وجود "حزب الله" على حدود إسرائيل، إلى جانب جماعات حليفة في العراق وحلفاء إقليميين آخرين، يعني أن أي مواجهة مع إيران قد تتصاعد لتصبح صراعاً متعدد الجبهات بالنسبة للخصم. ولعبت سوريا، بصفتها مركزاً جغرافياً رئيسياً، دوراً محورياً في الربط بين هذه الجماعات.

ولقد طُبقت هذه الاستراتيجية بهدف جعل قدرات الجماعات المتحالفة مع طهران في المنطقة عائقاً أمام أي عدو قد يفكر في شن هجوم على الأراضي الإيرانية.

في الوقت نفسه، استعدت الجمهورية الإسلامية لمواجهة خصوم يتفوقون عليها في القوة الجوية والأسلحة التقليدية، وذلك من خلال تطوير الصواريخ والطائرات المسيرة وغيرها من أدوات الحرب غير المتكافئة. وقد أدى نقل بعض هذه الأصول إلى الحلفاء إلى خلق رابط بين القدرات العسكرية الإيرانية وحضورها الإقليمي.

وفي حديثه إلى بي بي سي فارسي، يقول حميد رضا عزيزي، الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية في (مجموعة الأزمات الدولية): "في نظر صناع القرار العسكري والاستراتيجي في الجمهورية الإسلامية، وفرت الجماعات التي تشكل ما يسمى 'محور المقاومة' عمقاً استراتيجياً لإيران، ما أتاح لطهران تحديد مسرح الصراع العسكري بعيداً عن حدودها. وفي الوقت ذاته، كان الهدف من وجود هذه الجماعات وقدراتها العسكرية، عرقلة وصول العدو بشكل مباشر إلى إيران".

ولم يقتصر دور استخدام الجماعات المتحالفة مع طهران على خلق عمق إقليمي فحسب، بل أتاح لها أيضاً خوض جزء من صراعها مع أعدائها فيما يعرف بـ "المنطقة الرمادية"، ما سمح لها بالحفاظ على حالة من الغموض بشأن مدى تورطها في عمليات محددة؛ إذ يوفر هذا الغموض هامشاً أكبر لضبط مستوى الرد أو تجنب توسيع نطاق المواجهة.

التحول لم يبدأ في 7 أكتوبر، بل بالهجوم الإسرائيلي المباشر على إيران
ومع استمرار حرب غزة وتوسع الهجمات الإسرائيلية، تضررت مقوّمات هذه الترتيبات تدريجياً، وفرضت ظروف جديدة نفسها على المنطقة.

فقد أدى إضعاف حركتي حماس وحزب الله إلى تقليص قدرات حليفين إيرانيين مهمين، في حين أدى سقوط حكومة الأسد إلى القضاء على موطئ قدم لطهران في بلد كان يسهّل الربط بين مناطق النفوذ الإيراني في كل من العراق ولبنان.

بعبارة أخرى، شكّلت خسارة سوريا ضربة للترابط الجغرافي بين ما يُعرف بـ "محور المقاومة".

في هذا السياق، يقول عزيزي: "كانت خسارة الحلفاء وفقدان الامتداد الجغرافي عمليتين مترابطتين أديتا إلى تآكل العمق الاستراتيجي لإيران".

وفي معرض الحديث عن توقيت بدء تغير سلوك طهران، يشدد مايكل يونغ، محرّر منصة "ديوان" وكبير المحررين في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، على مسار الهجمات الإسرائيلية المباشرة.

ويقول لبي بي سي فارسي: "في رأيي، لم يبدأ التغيير مع أحداث 7 أكتوبر بحد ذاتها، بل بدأ عندما تحركت إسرائيل لمهاجمة إيران بشكل مباشر. ومع تحول الاستراتيجية الإسرائيلية نحو المواجهة المباشرة، أصبح الإيرانيون يعتمدون بشكل أكبر بكثير على قدراتهم الردعية الذاتية، وهو ما رأيناه لأول مرة من خلال استخدام الصواريخ ضد إسرائيل".

العلمان الإيراني والسوري على كتل خرسانية في الطريقصدر الصورة،EPA-EFE/REX/Shutterstock
ووفقاً لهذا المنظور، لعب سلوك الطرف الآخر دوراً حاسماً في تغيير حسابات طهران، حيث كان الهجوم على مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق في أبريل/نيسان 2024، وما تلاه من تبادل للهجمات المباشرة، جزءاً من العملية ذاتها.

ولقد كشفت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025 والمواجهة التي تلتها في العام التالي بوضوح أكبر عن قصور الاستراتيجية التي كانت تهدف إلى احتواء مخاطر الحرب وإبقائها بعيدة عن الأراضي الإيرانية.

ومع ذلك، يصعب فصل أثر ضعف حلفاء إيران عن القرارات السياسية والعسكرية التي اتخذتها إسرائيل والولايات المتحدة، أو عزو اندلاع الحرب إلى عامل واحد بعينه.

ورغم ذلك، ثمة أمر بدا جلياً بحلول نهاية تلك الفترة، وهو أن اعتماد إيران على قدرات الجماعات الإقليمية قد أخفق في تحقيق الهدف الذي وُضِعت من أجله هذه الاستراتيجية، ألا وهو "إبقاء نيران الحرب بعيدة عن الأراضي الإيرانية".

مع تصاعد المواجهة المباشرة، باتت طهران تعتمد بشكل أكبر من ذي قبل على أدوات تخضع للسيطرة المباشرة لقواتها المسلحة للتأثير على حسابات خصومها.

وقد أدت الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي استهدفت إسرائيل والقواعد الأمريكية، إلى جانب التهديدات الموجهة لحركة التجارة البحرية، إلى توسيع نطاق تكاليف الحرب لتتجاوز ساحة المعركة المباشرة بكثير.

وبالنسبة لدولة لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة عسكرياً بالطرق التقليدية، يوفر هذا النهج وسيلة لتعقيد استمرار الصراع؛ إذ تنطوي هذه الاستراتيجية على أن عرقلة صادرات الطاقة أو تهديد الممرات الملاحية يمارس ضغوطاً لا تقتصر على الأطراف المتحاربة مباشرة، بل تمتد لتشمل الحكومات والشركات التي لم يكن لها أي دور في القرار الأولي بمهاجمة إيران.

ويبدو أن طهران تأمل في أن تؤثر هذه الضغوط على عملية صنع القرار في واشنطن، مع أن تحويل الخسائر الاقتصادية إلى تنازلات سياسية ليس أمراً مضموناً بأي حال.

ويقول عزيزي في معرض شرحه للدور المتطور لشبكة حلفاء الجمهورية الإسلامية: "إن 'محور المقاومة' يشكل الآن عنصراً مكملاً لاستراتيجية إيران القائمة على 'الردع بالعقاب'.

إلى أين تمضي إيران بعد انهيار "محور المقاومة"؟
وترتكز هذه الاستراتيجية على القدرات الصاروخية الإيرانية إلى جانب موقعها الجغرافي، لاسيما مضيق هرمز. وبات في إمكان الجماعات الحليفة - عند الضرورة وبدعم إيران أو بموافقتها الضمنية - تعزيز التأثير الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية على خصومها وفي ساحة المعركة".

وبالتالي، ورغم ما يبدو من تغيّر في الثقل النسبي لمكونات الاستراتيجية الإيرانية، إلا أن هذا لا يعني التخلي عن الروابط الإقليمية مع الجماعات الحليفة في أنحاء الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه، برز مضيق هرمز كعامل رئيسي - وظفته إيران بشكل أوضح من ذي قبل - للتأثير على ديناميكيات الحرب؛ ففي أعقاب اندلاع صراع عام 2026 ومقتل زعيم الجمهورية الإسلامية، اكتسب هذا الممر المائي الاستراتيجي دوراً أبرز في الحسابات الأمنية الإيرانية.

ورغم أن التهديد بعمليات الشحن كان يشكل جزءاً من موقف طهران منذ فترة طويلة، إلا أن تفعيل هذه القدرة عملياً عزز مكانتها كأداة لفرض تكاليف باهظة على الخصم.

فالموقع الاستراتيجي لهذا الممر المائي، يمنح إيران القدرة على التأثير في تجارة الدول الأخرى. وقد أدى تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف حماية السفن والتأثير على قرارات ملاك السفن وشركات التأمين ومشترِي النفط.

وصرّح بيرند كاوسلر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جيمس ماديسون، في معرض شرحه لآليات هذا الضغط، قائلاً: "ركزت سيناريوهات عديدة تتعلق بمضيق هرمز على زرع الألغام فيه والعمليات التي تستغرق وقتاً طويلاً لإزالتها".

وأضاف كاوسلر مؤلف كتاب "الدبلوماسية النووية الإيرانية: سياسة القوة وتسوية النزاعات"، في حديثه لبي بي سي فارسي قائلاً: "ومع ذلك، اتضح أن في إمكان إيران استخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة وقابلة للاستهلاك لبث الرعب في نفوس شركات الشحن، لدرجة تجعلها غير راغبة في المخاطرة".

هذا التقييم لأثر الهجمات على عملية اتخاذ القرار لدى الشركات، يشير إلى أن نطاق التعطيل قد يتجاوز بكثير مجرد الأضرار المباشرة التي تلحق بالسفن نفسها.

في الوقت نفسه، قد يشير الاستخدام الأوسع لهذه الأدوات إلى تحولٍ في كيفية تقييم صناع القرار الإيرانيين للمخاطر؛ إذ يرى بعض المحللين أن الهجمات الأخيرة عززت الاعتقاد السائد في طهران بأن الحذر والردود المحدودة لا تجبر الخصم بالضرورة على ممارسة ضبط النفس المتبادل. ومن هذا المنظور، لا يكتسب التهديد مصداقيته إلا بوجود استعداد ملموس لتنفيذه.

ويُعد هذا أحد التفسيرات السائدة للسلوك الإيراني الأخير. ويشرح مايكل يونغ الدور المتنامي لقدرات إيران العسكرية المباشرة في هذه الحسابات، قائلاً: "يكمن جوهر معادلة الردع الإيرانية اليوم في قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وفي قدرتها على إغلاق مضيق هرمز".

وأضاف: "لقد باتت إيران تشارك الآن بشكل مباشر في تحديد وتنفيذ استراتيجيتها للردع. وهذا التحول لم يلغِ دور القوى الإقليمية الحليفة التي تواصل إيران الاستعانة بها".

ولاشك في أن حديثه عن القدرة على إغلاق المضيق، يعكس تقييمه لأوراق الضغط التي تمتلكها إيران، كما أن جدوى هذا الضغط واستدامته يعتمدان على رد فعل الطرف الآخر.

رجل ملثم يحمل مسدساً من الخلف، وينظر إلى مجسّم لصاروخ.صدر الصورة،Isna
وبناءً على ذلك، فإن توسيع نطاق الاعتماد على القدرات المحلية، ينطوي على نتيجتين محتملتين متزامنتين: فهو يجعل القدرة على الرد أقل ارتباطاً بتحركات الحلفاء، وفي الوقت نفسه يعرّض إيران بشكل مباشر أكثر لتبعات المواجهة المباشرة؛ إذ أن القدرات ذاتها التي تمنح إيران تفوقاً أو ورقة ضغط أثناء الصراع، يمكن أن تتحول هي نفسها إلى أهداف لهجمات لاحقة.

وفي الوقت نفسه، مثّل الاستهداف المباشر للقادة العسكريين الإيرانيين جانباً جديداً في هذا الصراع؛ إذ أثبت أن الجمهورية الإسلامية قد حافظت على قدرتها على الرد من داخل البلاد رغم تلك الضربات.

بعبارة أخرى، فإن استمرار القدرة على شن هجمات عقب الضربات التي استهدفت القادة والمنشآت، يشير إلى أن التدمير الكامل للقدرات العسكرية للبلاد ليس أمراً سهلاً، وأن جزءاً من القدرات العملياتية الإيرانية ظل سليماً بعد تلك الهجمات.

وفي هذا الصدد يقول كاسلر: "إن الهيكلية اللامركزية لقيادة الحرس الثوري الإيراني لقادة الوحدات المختلفة، قد أتاحت اتخاذ قرارات مستقلة ومواصلة الهجمات، حتى بعد مقتل كبار القادة بل والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية نفسه".

وعلى الرغم من أن القدرة على الرد عقب تصفية القادة العسكريين الإيرانيين، قد تشير إلى وجود هيكلية قادرة على مواصلة العمليات حتى في غيابهم، إلا أن الضربات الناجحة التي استهدفت القادة والمنشآت الإيرانية لا تزال تثير تساؤلات حول الثغرات في قدرات الاستخبارات والدفاع الجوي لدى الجمهورية الإسلامية.

علاوة على ذلك، لا تزال هناك شكوك تحيط بمدى استعادة البلاد لقدرتها على حماية أراضيها وقادتها العسكريين ومسؤوليها السياسيين ومواطنيها من أي هجمات محتملة في المستقبل.

حلفاء بأدوار مختلفة وتكاليف باهظة
مع تغير دور القوات المسلحة الإيرانية في الصراع، تتكيف العلاقات مع الجماعات الإقليمية أيضاً لتلائم الظروف المستجدة. ويرى عزيزي، مؤلف كتاب "محور المقاومة: إيران وإسرائيل والصراع على الشرق الأوسط"، أن طهران سعت إلى استعادة بعض المرونة العملياتية لهذه الشبكة من خلال التعامل مع جماعات أصغر حجماً - لاسيما في العراق - وإعادة تنظيم أنشطة بعض الكيانات الأكبر وتحويلها إلى خلايا أصغر.

وإذا استمرت هذه التغييرات، فقد يمكّنها ذلك من الحفاظ على القدرة على العمل الميداني حتى بعد تعرض الهياكل الأكبر لضربات، غير أن القدرة على تنفيذ عمليات متفرقة لا تعادل القدرة السابقة على تشكيل تهديد منسق واسع النطاق؛ إذ تؤثر كل من الأوضاع الداخلية لهذه الجماعات، والموارد المتاحة أمامها، والضغوط التي تمارسها الحكومات المضيفة، على نطاق أنشطتها.

وفي المشهد الجديد الذي يصفه عزيزي، تزايدت أهمية اليمن والبحر الأحمر؛ إذ يشير إلى أن "المحور الجغرافي - الذي كان يمتد سابقاً ليشمل العراق وبلاد الشام وحوض المتوسط ​​- قد تحوّل ليركز أكثر على العراق واليمن والبحر الأحمر".

ويضيف عزيزي أن الدور الذي يلعبه الحوثيون حالياً في سياسة إيران الإقليمية، يشبه دورَ حزب الله قبل أحداث 7 أكتوبر، مع فارق جوهري يتمثل في أن الحوثيين يتمتعون باستقلالية أكبر بكثير، وأن سيطرة إيران على تحركاتهم أقل وطأة". ويحدّ هذا الاختلاف من مدى نفوذ طهران على أحد أهم شركائها في الوقت الراهن.

وبالنسبة للحوثيين، يرتبط نشاطهم حول مضيق باب المندب بأهدافهم داخل اليمن وبصراعهم مع أطراف إقليمية أخرى. ورغم أن توافق هذه الأهداف مع مصالح إيران قد يسهّل التعاون فيما بينهما، إلا أنه لا يكفي لعزو كل قرار يتخذونه إلى طهران. وبالمثل، فإن الجماعات المتحالفة مع إيران في العراق منخرطة في صراعات وتوازنات سياسية داخلية، إلى جانب علاقاتها الخارجية.

وفي الوقت نفسه، يرى يونغ أن مساعي الحوثيين لتغيير موازين القوى في اليمن قد تستدعي رداً من خصومهم الإقليميين؛ فمن وجهة نظره، قد يؤدي توسيع أنشطة الجماعة إلى زيادة الضغط على خصوم إيران، لكنه قد يرفع أيضاً التكلفة التي يتحملها الحوثيون أنفسهم للحفاظ على مواقعهم.

أما في لبنان، فقد أصبحت تكلفة الانخراط في المواجهة قضيةً أبرز بالنسبة لحزب الله وللبيئة الاجتماعية التي تشكل قاعدته الداعمة الأساسية.

وفي هذا الصدد، يقول يونغ الذي يقيم في بيروت: "لا تزال هذه التحالفات تلعب دوراً، لكن القيام بذلك بات ينطوي على تكلفة أعلى. فلقد كان للزج بحزب الله في حرب هذا العام عواقب وخيمة على الجماعة نفسها وعلى الطائفة الشيعية".

وفي ما يتعلق بحركة "أنصار الله"، بحسب يونغ، "تجدر الإشارة أيضاً إلى أن الجماعة تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة في اليمن، إذ لا ينبغي النظر إلى علاقتها بإيران على أنها مجرد جماعة تعمل بالوكالة".

وتكشف المقارنة بين هاتين التجربتين أن احتمالات التعاون العسكري تواجه قيوداً مختلفة في كل بلد.

ويتوقع عزيزي أن تحاول إيران - حال انسحابها من الحرب - إعادة تنشيط هذه الشبكة، وإن كانت بنيتها ووظيفتها ستختلف عما كانت عليه في الماضي، إذ تعتمد جدوى عملية إعادة البناء هذه أيضاً على الظروف الداخلية في البلدان التي تنشط فيها تلك الجماعات.

يتعلق جانب آخر من المعادلة بوضع دول الجوار الإيراني في الخليج، فبسبب استضافتها للقوات الأمريكية، أصبحت هذه الدول فعلياً أهدافاً للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وقد تؤثر هذه الأحداث جميعها مستقبلاً على الترتيبات الأمنية لتلك الدول، فضلاً عن التأثير المتبادل لهذه الحسابات على الوضع الأمني ​​لإيران نفسها.

ويرى كاسلر أن بعض دول الخليج قد تتجه نحو مزيد من التهدئة أو التوافق مع طهران، مشيراً إلى أن "استضافة قاعدة عسكرية أمريكية كان الهدف منها أن تكون عامل ردع، إلا أن هذا الوجود ذاته قد مهد الطريق الآن لضربات انتقامية إيرانية. وقد تتجه بعض الدول الصغيرة في المنطقة نحو تقارب أكبر مع إيران، وإن كنت أتوخى الحذر في طرح السيناريوهات المستقبلية، نظراً لأننا لا نزال في حالة حرب".

ويطرح أستاذ العلوم السياسية في جامعة "جيمس ماديسون" هذا الاحتمال في وقت لا تزال فيه ملامح الترتيبات الأمنية المستقبلية للمنطقة غير واضحة.

وفي المقابل، قد تدفع التهديدات المستمرة هذه الدول ذاتها إلى تعزيز التعاون العسكري وتقليل قابليتها للتضرر من إيران. وهكذا، فبينما قد تؤدي قدرة طهران على فرض تكاليف باهظة إلى تعزيز الانخراط معها ودفع دول الجوار للسعي نحو الحوار خشية التعرض لضربات إيرانية مستقبلية، إلا أن هذا الأمر ينطوي في الوقت نفسه على خطر جسيم يتمثل في زيادة عزلة إيران وتكرار الأزمات التي تواجهها.

ومع ذلك، فقد ركزت إيران بشكل مكثف على توطيد علاقاتها مع حلفائها الدوليين، حيث حظيت بدعم - وإن كان محدوداً - من روسيا والصين خلال هذه الفترة.

ويعلق يونغ على هذه المسألة قائلاً: "يمتلك الإيرانيون أيضاً أدوات دبلوماسية؛ إذ لا ينبغي الاستهانة بجهودهم الرامية إلى توسيع العلاقات مع الصين وروسيا، وهي علاقات يأملون في أن توفر لهم نوعاً من الغطاء الدبلوماسي. فإيران قادرة على التحرك على مستويات متعددة، ولا تقتصر قدراتها على الصواريخ والطائرات المسيرة والتحالفات الإقليمية".

ورغم ذلك، فإن أهمية هذه العلاقات لا تضمن تدخل تلك الدول عسكرياً للدفاع عن إيران.

وفيما يتعلق بالملف النووي، قد تفضي تجربة الحرب إلى حسابات متضاربة؛ فاحتمال التعرض لهجوم قد يعزز حجج الداعين لتبني نهج أكثر تشدداً، في حين تدفع عوامل أخرى -مثل تكاليف إعادة الإعمار، ومخاطر تجدد الضربات، والحاجة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية- نحو اتجاه مغاير.

إن التحليلات المنشورة تطرح سيناريوهات متنوعة؛ ورغم أنها لا تشير إلى قرار حاسم سواء بتصنيع الأسلحة أو الإبقاء على الموقف السابق المتمثل في الامتناع عن التسلح النووي، إلا أن ثمة مؤشرات على الأقل تفيد بتصاعد أصوات الأطراف داخل المشهد السياسي الإيراني التي تدعو علناً إلى تطوير أسلحة نووية.

وبعد مرور ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر، بات التحول في كيفية توظيف إيران لأدواتها أكثر وضوحاً من النتيجة النهائية لهذا التغير.

وسعياً منها للتعويض عن الأضرار التي لحقت بـ"عمقها الاستراتيجي" الإقليمي، تحملت طهران عبئاً أكبر في المواجهة، وسعت إلى نقل تكاليف الحرب إلى ساحات لا يمكن فيها للتفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي ضمان حماية كاملة.

ولا تزال إيران تواجه قيوداً تحول دون تحويل هذه القدرات إلى أمنٍ مستدام؛ وهي قيود لا يمكن معالجتها بمجرد إطلاق الصواريخ أو تهديد حركة الملاحة البحرية، إذ سيتوقف مصير هذه السياسة على عوامل عدة، منها الحفاظ على الموارد، وإعادة بناء العلاقات الإقليمية، وإرساء ترتيبات من شأنها تقليل احتمالات تجدد المواجهة.

ومن أبرز الدروس المستفادة من هذه الفترة أن استراتيجية توسيع شبكة القوات الحليفة في المنطقة وتعزيز قدراتها قد فشلت في إبعاد شبح الحرب عن الحدود الإيرانية؛ مع شكوك كبيرة حول قدرة هذا النهج الجديد على الحيلولة دون تكرار مثل هذه الصراعات على الأراضي الإيرانية.

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك