خبرني - أثار اختفاء غطاء برونزي يزن 150 كيلوغراماً من مركز للفن المعاصر في فرنسا حيرة المحققين، الذين لا يزالون عاجزين عن تفسير الكيفية التي تمكن بها اللصوص من إخراج القطعة الضخمة من المبنى دون أن يتركوا وراءهم خيوطاً واضحة.
والمفاجأة أن القطعة ليست غلافاً عادياً، بل عمل صممه الفنان الإسباني سلفادور دالي وزُين بالذهب والأحجار الكريمة والأصداف، ما يحول سرقتها إلى لغز ثقيل بكل معنى الكلمة.
وبين ضخامة القطعة وقيمتها الفنية، تجاوزت الواقعة فقدان مقتنى ثمين إلى اقتطاع جزء من كتاب استثنائي شارك في إنجازه نخبة من فناني القرن العشرين.
وقعت السرقة ليلة الرابع إلى الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، في مركز "سي. كاروتزوس" للفن المعاصر بمدينة إيسوار، حيث استهدف اللصوص الغلاف المزخرف بالذهب والأحجار الكريمة والأصداف، فيما بقيت صفحات الكتاب محفوظة بشكل منفصل عن الغلاف، وبالتالي لم تطلها السرقة.
اختفاء يحيط به الغموض
تولت وحدة تحقيق تابعة للدرك في كليرمون فيران البحث في الواقعة، فيما وصفت النيابة العامة القطعة بأنها عمل "استثنائي وفريد" ذو قيمة كبيرة.
لكن السؤال الذي يحير المحققين هو كيفية نقل قطعة بهذا الحجم والوزن من المركز من دون أن يلفت ذلك الانتباه.
وزاد مالك المركز، كريستيان كاروتزوس، من غموض الحادثة، إذ قال إن اللصوص فصلوا كاميرات المراقبة وأجهزة الإنذار، واصفاً ما حدث بأنه "كارثة ثقافية". أما رئيس بلدية إيسوار، برتران بارو، فقال إن قيمة القطعة لا يمكن تقديرها.
كتاب بحجم مشروع فني
تعود قصة العمل إلى عام 1958، عندما طرح الناشر الفني الفرنسي جوزيف فوريه مشروعاً مستلهماً من سفر الرؤيا، جامعاً بين الأدب والفن في مجلد استثنائي شارك فيه فنانون وكتاب، من بينهم جان كوكتو وبرنار بوفيه وجان جيونو.
وتولى دالي تصميم الغلاف البرونزي، الذي أنجزه بين عامي 1958 و1961، ليصبح الغلاف نفسه عملاً فنياً قائماً بذاته.
وضم المجلد 150 صفحة ضخمة من الرق، واستغرق تنفيذ خطه نحو ألفي ساعة، فيما زُين 550 حرفاً بالذهب.
وبلغ وزن الكتاب كاملاً 210 كيلوغرامات، ما منحه مكانة بين أثقل الكتب في العالم، فضلاً عن قيمته بوصفه ملتقى لأعمال فنانين بارزين داخل مشروع واحد. وكان الغلاف نفسه عملاً نحتياً قائماً بذاته، جمع دالي في تكوينه بين البرونز والزخارف النفيسة، ليمنح المجلد حضوراً يتجاوز الشكل المعتاد للكتب.
ومن قاعات العرض، بدأت للمجلد رحلة طويلة؛ إذ عرض في نحو 150 معرضاً حول العالم بين عامي 1961 و1972، قبل أن يغيب عن الجمهور فترة، ويُحفظ في سويسرا ثم ينتقل إلى مالكين يابانيين. وعندما اتجه هؤلاء إلى بيعه أجزاءً، اشتراه كاروتزوس عام 2003، محافظاً على وحدة العمل الذي انتهى غلافه اليوم في أيدي اللصوص.
وتأتي الواقعة ضمن سلسلة سرقات طالت مؤسسات ثقافية فرنسية، بينها متحفا لاليك ورينوار، بعد سرقة مجوهرات ملكية من اللوفر في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ومع استمرار التحقيق، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً كيف اختفت قطعة بهذا الوزن، وما إذا كان بالإمكان إعادتها إلى الكتاب الذي منحها قصتها وقيمتها.



