*
الخميس: 08 أكتوبر 2026
  • 08 أكتوبر 2026
  • 18:56
لماذا نخفض الموسيقى لنرى أفضل أثناء قيادة السيارة  العلم يجيب

خبرني  - قد يكون من أغرب ما نفعله أثناء القيادة أن نخفض صوت الموسيقى عندما نحتاج إلى تركيز أكبر، وكأن للصوت تأثيرا على ما نراه. لكن هذا التصرف ليس عشوائيا؛ إذ تشير دراسات الانتباه والإدراك إلى أن الصوت قد يؤثر في طريقة تعامل الدماغ مع المعلومات البصرية.

 

أنت لا تقود بعينيك وحدهما

اعتدنا النظر إلى الحواس باعتبارها تعمل بصورة منفصلة، فنربط العين بما نراه، والأذن بما نسمعه. لكن تجارب علم الأعصاب تشير إلى أن معالجة ما نسمعه قد تؤثر في كفاءة معالجة ما نراه، خصوصا عندما لا يكون الصوت مجرد ضوضاء، بل كلاما نحاول فهمه.

ويشرح عالم الأعصاب ديفيد بادري في حوار له مع مجلة "بي بي سي ساينس فوكس" (BBC Science Focus) أن المشكلة في أداء عدة مهام معا تبدأ عندما تحتاج مهام مختلفة إلى الموارد العقلية نفسها. عندئذ يظهر ما يشبه "عنق الزجاجة"، وهنا، وفقا للباحث، لا يتوقف الدماغ عن العمل، وإنما يضطر إلى توزيع موارده والانتقال بين المطالب المتنافسة.

ويلفت بادري إلى أن مجرد وجود مثير يستدعي انتباهك قد يفرض عبئا إضافيا على الدماغ، حتى عند محاولة تجاهله. لذلك ليست كل الأصوات داخل السيارة متساوية؛ فالموسيقى المألوفة قد تكون أقل تطلبا من حوار أو تقرير يحتاج إلى متابعة وفهم.

وتشير مجلة "ديسكفر" (Discover Magazine)، في تناولها لهذه الظاهرة، إلى أن العامل الحاسم ليس مجرد وجود الموسيقى في الخلفية، وإنما الحمل المعرفي الواقع على الذاكرة العاملة؛ أي قدرتنا على الاحتفاظ بالمعلومات مؤقتا ومعالجتها أثناء أداء المهام.

 

تغدو الأصوات مزعجة عندما نحاول التركيز

صحيح أن القيادة قد تصبح شبه تلقائية مع الخبرة، لكن متطلبات الدماغ ترتفع كلما احتاج السائق إلى معالجة معلومات إضافية أو اتخاذ قرارات أدق.

وتوضح هيئة الإذاعة الأسترالية "إيه بي سي" (ABC News)، في تقرير تناول أثر الانشغال الذهني أثناء القيادة، أن الخطر لا يأتي فقط مما تفعله اليدان أو المكان الذي تنظر إليه العينان. ففي تجربة أجريت على عدد من السائقين، أثرت المهام الذهنية في أنماط النظر نفسها؛ إذ قلّ استخدام بعض المشاركين للمرايا وضاق نطاق فحصهم البصري عندما انشغلوا بمهام تتطلب التخيُّل والمعالجة الذهنية العميقة.

لذلك، قد لا يكون إبقاء عينيك على الطريق كافيا إذا كان عقلك منشغلا بمهمة تستنزف انتباهه، ومن هنا يصبح خفض صوت الموسيقى داخل السيارة أكثر من مجرد رغبة غامضة في الحصول على الهدوء.

وربطت مجلة "ديسكفر" هذا السلوك بمحاولة تقليل المعلومات المنافسة عندما تزداد متطلبات القيادة. فحين تصبح المهمة الأساسية أكثر صعوبة، يصبح من المنطقي التخلص مؤقتا من المثيرات غير الضرورية.

لا يعني ذلك أن الدماغ يتعطل مع تشغيل الموسيقى، وإنما قد يحتاج إلى تقليل ما ينافس المهمة الأساسية على انتباهه، وهو ما يفسر لماذا يصبح الصوت مزعجا فجأة في موقف يتطلب تركيزا أكبر.

 

أمام عينيك ولكن قد لا تراه

ولا يقتصر أثر الانشغال الذهني على الشعور بالضيق من الأصوات؛ فقد يجعلنا نفوّت أشياء تقع أمام أعيننا. فمجرد النظر إلى شيء لا يعني بالضرورة إدراك وجوده.

وتشرح مجلة "تايم" (Time Magazine) ذلك من خلال تجربة "الغوريلا غير المرئية" الشهيرة التي نُشرت عام 1999. وفي تلك الدراسة، طُلب من المشاركين متابعة تمريرات كرة السلة وعدّها، ولم يلاحظ نحو نصفهم شخصا يرتدي زي غوريلا مر أمامهم بوضوح في المشهد. لم تكن المشكلة في العين، بل في أن الانتباه كان منهمكا في مهمة أخرى.

بدوره يقول عالم النفس تشارلز سبنس، في حديث لبرنامج "ذا ساينس شو" العلمي على إذاعة "إيه بي سي" الأسترالية، إن من أكثر الأمور إثارة للدهشة اعتقادنا أننا نرى كل ما يقع أمامنا، بينما يمكن للسائق أن ينظر في اتجاه أحد المشاة أو راكبي الدراجات ولا يدرك وجوده فعليا إذا كان انتباهه مستغرقا في مهمة أخرى.

وتظهر ظاهرة مشابهة في السمع أيضا؛ فقد تناولت مجلة "ساينتفك أمريكان" (Scientific American) العلمية ما يُعرف بـ"الصمم غير الانتباهي"، وهي ظاهرة يصبح فيها الشخص أقل قدرة على ملاحظة أصوات واضحة عندما يكون انتباهه منشغلا بمهمة بصرية صعبة.

وفي التجارب التي عرضتها المجلة، كان الأشخاص الذين واجهوا مهام بصرية أكثر تطلبا للانتباه، مثل حل أحجية بصرية، أكثر ميلا إلى عدم ملاحظة صوت صدر أثناء تركيزهم على المهمة.

وبذلك، لا تبدو العلاقة بين الصوت والرؤية غريبة كما بدت في البداية: عندما ينشغل الدماغ بشيء يحتاج إلى دقة وتركيز، قد تقل قدرته على ملاحظة تفاصيل أخرى تحدث في الوقت نفسه، حتى لو كانت تصل بالفعل إلى العين أو الأذن.

 

هل تشكل الموسيقى خطرا أثناء القيادة؟

الإجابة ليست بسيطة. فالموسيقى قد ترفع العبء الذهني من دون أن تؤدي بالضرورة إلى تراجع أداء السائق. وهذا ما وجدته دراسة أجراها باحثون في جامعة خرونينغن الهولندية عام 2012؛ إذ أظهرت تجربة شملت 69 سائقا في محاكي قيادة أن الاستماع إلى موسيقى عالية الصوت زاد الجهد العقلي الذي يبذله السائقون، لكن أداءهم ظل مماثلا لمن قادوا من دون موسيقى.

وفسر الباحثون ذلك بأن السائق قد يعوض التشتيت ببذل جهد ذهني إضافي للحفاظ على أدائه.

لكن هذه النتيجة لا تعني أن الموسيقى لا تؤثر في القيادة في مختلف الظروف؛ فنوعها وإيقاعها ومستوى صعوبة الطريق قد تصنع فرقا. فالموسيقى السريعة، على سبيل المثال، ارتبطت لدى السائقين المبتدئين بزيادة الحمل الذهني ومعدل ضربات القلب والتنفس، وتراجع القدرة على اكتشاف الأخطار، بينما لم ترفع الموسيقى البطيئة العبء الذهني، وارتبطت بأداء أفضل في اختبار إدراك الأخطار.

جاء ذلك في دراسة صينية أمريكية نُشرت عام 2021 في دورية "تحليل الحوادث والوقاية منها" (Accident Analysis & Prevention)، وشملت 37 سائقا مبتدئا خضعوا لاختبار إدراك الأخطار في مواقف مرورية محاكاة.

لذلك، لا تبدو الموسيقى خطرا ثابتا بحد ذاتها؛ إذ يتوقف تأثيرها على طبيعة ما يسمعه السائق ومتطلبات الموقف الذي يواجهه. وقد يكون خفض الصوت عندما يزداد تعقيد الطريق استجابة تلقائية لحاجة الدماغ إلى تقليل ما ينافس القيادة على الانتباه.

مواضيع قد تعجبك