*
الاثنين: 05 أكتوبر 2026
  • 05 أكتوبر 2026
  • 12:51
حين تُحوَّل الجيوب إلى خزينة مفتوحة
الكاتب: شيرين قسوس

في كل مرة تُعلَن زيادة جديدة على المحروقات، يخرج من يشرح بلغة باردة أن الأمر "مرتبط بالأسواق العالمية". لكن السوق العالمي لا يعرف أبًا يعدّ الدنانير القليلة في آخر الشهر ويقرر أي حاجة سيحذفها من قائمة أسرته. الدينار عند الناس ليس رقمًا في جدول، بل خبز ودواء وقسط مدرسة.
الوقود ليس بندًا معزولًا، بل كلفة مدمجة في كل شيء. ينقل العامل إلى عمله، والتلميذ إلى مدرسته، والخضار إلى السوق، والمريض إلى المستشفى. وحين يرتفع سعره يتسلل الأثر إلى أجرة الحافلة وسعر الرغيف وثمن كل سلعة مرّت على شاحنة. فالزيادة المعلنة تجرّ خلفها عشرات الزيادات الصامتة التي لا يشملها أي تعويض.
والأثر ليس متساويًا بين الناس. صاحب الدخل المرتفع يمتصّ الزيادة من هامش فائض، أما صاحب الدخل المحدود فيمتصّها من ضرورياته نفسها. فنسبة ما ينفقه الفقير على النقل والغذاء، وكلاهما مرتبط بالوقود، أعلى بكثير من نسبة ما ينفقه الغني. وهذا يجعل أي زيادة بنسبة واحدة ضريبة تأخذ من الأضعف أكثر مما تأخذ من الأقوى.
أما حجة "التكيّف" فقد استُنفدت. شُدّ الحزام مرارًا حتى لم يبقَ فيه ثقب. الأسر التي قلّصت استهلاكها وأجّلت علاجها وقلّلت تنقلها لم يعد لديها ما تقتطعه سوى الحد الأدنى من العيش الكريم.
والتعويض الحقيقي له عناوين معروفة: دعم نقدي مباشر لأصحاب الدخل المحدود بلا إجراءات مرهقة، واستثمار جاد في النقل العام، وتسعير شفاف يبيّن كم يذهب من كل لتر إلى الكلفة وكم إلى الضرائب، وآلية تخفض السعر عند انخفاض الأسعار العالمية بالسرعة نفسها التي يرتفع بها. غياب هذه الإجراءات ليس عجزًا، بل ترتيب أولويات.
والحكومة التي تطلب الصبر مدينة لمواطنيها بالبرهان على أنها تشعر بما يدفعون. فحين يبقى المواطن الحلقة الأسهل في كل معادلة، يُطلب منه الدفع كلما اختلّ الميزان ولا يُستشار إذا استقام، يتحول الإصلاح الاقتصادي في وعيه إلى مرادف للجباية، وتصبح أي سياسة، حتى الصائبة، مشكوكًا فيها قبل أن تُنفَّذ.
الوقود ليس رفاهية حتى يُعامل سعره باستخفاف. هو فاتورة كل بيت وكل عامل وكل سائق وكل صاحب مشروع صغير. والناس لا يطلبون المستحيل، بل سياسة ترى ما يخرج من جيوبهم بالعين نفسها التي تعدّ بها ما يدخل إلى الخزينة.
فإما أن تكون الخزينة في خدمة الناس، أو يتحوّل الناس إلى وقود لها.

مواضيع قد تعجبك