صدر مطلع هذا الأسبوع تقرير يحصي قرارات الحكومة الأردنية على مدى عامين. بلغت 1083 قرارا، وذهب 51% منها إلى التحديث الاقتصادي.
نصيب التحديث السياسي 2% فقط، أي نحو 22 قرارا في عامين!
وإذا أضفنا حصة القرارات الإدارية (19%) والقطاعية العابرة للمسارات (28%)، ذهب 98 قرارا من كل مئة إلى مسارات غير سياسية.
أصدر التقرير مركز الحياة – راصد، واستند إلى قرارات مجلس الوزراء وإلى استطلاعين، واحد لآراء النواب وآخر لآراء الأحزاب.
وعد التقرير 76 قرارا للتعيينات والشؤون الوظيفية القيادية، شملت 99 حالة تعيين. رقم يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف قرارات التحديث السياسي.
وفي الملف الأوسع حجما، أنجز الفريق الوزاري 17 مشروعا من 85 مشروعا مقررا لعام 2026، وبقي 56 مشروعا قيد التنفيذ.
وقراءة ممكنة لهذا التوزيع أن السلطة التنفيذية تتحرك حيث يمكن عد الإنجاز بالدينار والمشروع، وتؤجل حيث يصعب عده. الاقتصاد يعطيها رقما تعرضه، والسياسة تعطيها نقاشا تتجنبه.
واسأل أي سائق تكسي في عمان عن لاءات الأردن الثلاث. سيعدها على أصابعه بلا تردد: لا للتهجير، ولا للتوطين، ولا للوطن البديل.
وسيشرح لك سببها أيضا، لأنه يحمل السبب في ذاكرته كما يحمل اسم أبيه. لا للتهجير تحمي الإنسان في أرضه، ولا للتوطين تحمي حق العودة، ولا للوطن البديل تحمي الفرق بين الأردن وفلسطين.
قالها الملك عبدالله الثاني بصوته واسمه في 17 شباط 2025، وأكد أن موقفه لم يتغير منذ اعتلائه العرش، واستنكر تشكيك البعض بها. لاء لها صاحب يقف أمامها.
هذه ساعة مثبتة بقرار وإجماع. يقف خلفها الشارع والدولة معا، فلا تحتاج إلى مذكرة نيابية تشرحها.
واسأله بعدها عن التوقيت الصيفي الدائم. سيهز كتفيه، لأن أحدا لم يمنحه سببا يحفظه.
فهناك ساعات أخرى تقف بلا إجماع. التوقيت الصيفي الدائم أتم أربع سنوات منذ قرار مجلس الوزراء في تشرين الأول 2022. وآخر قانون عفو عام صدر في نيسان 2024.
وفي 31 آب 2026 نقل رئيس لجنة الحريات النيابية عن رئيس الوزراء أنه لن يخرج من الحكومة قانون عفو عام ولا تعديل للدستور ما دام رئيسا لها. والخبر المنشور لم يذكر رقم مادة دستورية واحدة.
ومرت على هذه الساعة أربعة شتاءات، وعلى اللاءات الثلاث أكثر من ربع قرن. المدتان لا تقاسان بميزان واحد.
ساعتان تقفان عند الوقت نفسه، ومن بعيد يصعب التفريق بينهما. الفرق في السبب وحده: الأولى أوقفها إجماع معلن، والثانية أوقفها صمت.
وللسلطة التنفيذية حجتها، وينبغي أن تقال. قال مصدر رسمي إن التوقيت الواحد يثبت علاقة الدولة بتوقيت غرينتش ويريح التواصل الدولي، وقدرت الحكومة كلفة مشروع قانون العفو العام لسنة 2024 بنحو خمسة وعشرين مليون دينار.
ورأى 44% من النواب في استطلاع راصد أن أداء الحكومة تحسن في عامها الثاني.
حجج محترمة، يعيبها أنها بقيت في كلام المسؤولين ولم تتحول إلى وثائق. ودراسة التوقيت لم تصل إلى الناس حتى اليوم!
وسببه جاء على لسان مصدر رسمي بلا اسم. لاء السيادة لها صاحب بالاسم والصوت، ولاء التوقيت لها مصدر بلا وجه!
في الأمر مفارقة. اللاء التي يقف خلفها إجماع تستغني عن الشرح، واللاء التي يقف خلفها خلاف تحتاج إليه أكثر. وبعض اللاءات الإدارية تتصرف كأن إجماع السيادة يحميها!
والخطر يكبر مع كل ساعة عالقة بلا سبب. يتعلم الناس أن لاء السلطة التنفيذية تعني الصمت، ثم يطبقون الدرس على اللاءات كلها، وفيها ثلاث لا تحتمل أي خلط.
والمنطقة لا تترك اللاءات الثلاث وشأنها. تأتيها الضغوط من الخارج بصيغ متجددة، ومن حولها تشكيك سبق أن استنكره الملك نفسه. وكل غموض في ملف صغير يمنح هذا التشكيك مادة جديدة.
والثقة تتراكم في الأمور الصغيرة. من صدق أن الحكومة تشرح له توقيت مدرسة ابنه يصدق أنها لا تساوم على وطنه.
وسيقول الخصم الأقوى: نشر الأسباب يفتح جدلا لا ينتهي، والحكومة تحتاج إلى حرية الحركة. هذا صحيح في الأسرار الأمنية، ويسقط أمام توقيت المدارس وقانون العفو وتعديل الدستور، فهذه ملفات يعيشها الناس كل صباح.
وفي الاستطلاع نفسه قيم 51% من النواب أداء الحكومة في التحديث السياسي بالمنخفض أو المنخفض جدا، وقيمه 19% بالمرتفع أو المرتفع جدا.
العينة نواب وأحزاب لا عامة المواطنين، وهم أقرب الناس إلى مسار التحديث السياسي. وحين يقيمونه بهذا الميزان، فالإنصاف أن يسمعهم رئيس الوزراء قبل غيرهم!
وقد دارت ساعات حين وجدت من يدفعها. ففي شباط 2026 عدلت السلطة التنفيذية مسودة الضمان الاجتماعي بعد جدل، وأعلن رئيس الوزراء أن أي مستحق للتقاعد لن يمس خلال أربعة أعوام، وأن التطبيق يبدأ سنة 2030 بالتدريج.
العقارب تدور إذن حين يحركها حوار!
والحل قابل للقياس: دفتر للاءات الحكومة. كل رفض رسمي يخرج بورقة واحدة: سببه، وبديله، وكلفته بالدينار، وموعد عودته إلى الطاولة.
والدولة القوية تعلن سبب اللاء وبديلها، ثم تقبل أن يحاسبها الناس على النتيجة.
ومؤشرات التوقيت الصيفي تملكها الدولة أصلا: الغياب المدرسي في الأشهر الباردة، وحوادث الصباح، واستهلاك الكهرباء.
وعلى مجلس النواب أن يطلب الورقة. استجواب بلا ورقة يتحول إلى خطبة، وورقة بلا استجواب تتحول إلى أرشيف.
للتوقيت الصيفي: دراسة 2022 إلى العلن، ومراجعة لأثره على الطلبة قبل الشتاء المقبل. وللعفو: مشروع ضيق بكلفة منشورة. وللدستور: اسم المادة المطلوب تعديلها.
أما لاءات السيادة فتبقى خارج الدفتر، لأنها حدود تحرس ولا تراجع. ولاءات الحكومة قرارات تحاسب وتراجع.
ثبات الأولى فضيلة، وجمود الثانية عطل. ومن يسمي العطل سيادة يظلم السيادة!



