خبرني - في خضم الحرب الباردة، لم تكتفِ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بالأساليب التقليدية لجمع المعلومات، بل اختبرت أفكاراً غير مألوفة وغريبة للتسلل والتنصت. ومن بين أكثر هذه المحاولات غرابة مشروع حمل اسم «Acoustic Kitty»، سعت الوكالة من خلاله إلى تحويل قطة منزلية إلى جاسوس قادر على الاقتراب من أهداف سوفييتية ونقل محادثاتهم سراً.
كانت الفكرة بسيطة على الورق وهي أن القطط حيوانات أليفة يمكنها التحرك في الأماكن العامة دون أن تلفت الأنظار، ولذلك رأت الوكالة أنها قد تكون وسيلة مناسبة لجمع المعلومات بالقرب من السفارة السوفييتية في واشنطن. لكن تحويل الفكرة إلى واقع تطلب إدخال تكنولوجيا تنصت إلى جسم الحيوان.
وكشفت مجلة «Popular Science» الأمريكية أن القطة جرى تحويلها إلى ما يشبه جهاز راديو متنقل، من خلال زرع جهاز إرسال في بطنها، ضمن مشروع «Acoustic Kitty». وقال مدرب الحيوانات بوب بيلي إن الفريق تمكن من تدريب القطة على الاستماع إلى أصوات البشر بدرجة أكبر، في محاولة لجعلها قادرة على تنفيذ مهمة التنصت التي صُممت من أجلها.
لكن نجاح الأجهزة لم يكن كافياً، فالمشكلة الأصعب كانت في القطة نفسها؛ إذ لم يكن من السهل جعلها تتحرك إلى المكان الذي تريده الوكالة، ثم تبقى بالقرب من الهدف وفي نطاق جهاز الاستقبال. وتقول «Popular Science» إن البرنامج تعثر أساسا لأن القطة المختارة للمهمة لم تلتزم بما كان مطلوبا منها.
ولم يكن المشروع تجربة قصيرة؛ فقد استمرت جهود تطويره نحو خمس سنوات، وأنفقت وكالة الاستخبارات المركزية نحو 20 مليون دولار عليه، قبل أن تقرر التخلي عنه عام 1967. وخلصت وثيقة للوكالة، رُفعت عنها السرية لاحقًا، إلى أن تدريب القطط على التحرك لمسافات قصيرة كان ممكنًا، لكن البرنامج لم يكن عمليًا لتلبية احتياجاتها الاستخباراتية المتخصصة.
أما مصير القطة في أشهر روايات القصة، فلا يزال موضع خلاف. فقد قال ضابط CIA السابق فيكتور ماركيتي إن القطة خرجت في أول مهمة ميدانية، ثم عبرت الشارع وصدمتها سيارة أجرة قبل أن تصل إلى أهدافها. لكن مدرب الحيوانات بوب بيلي قدم رواية مختلفة، وقال إن المشروع لم يكن فاشلًا بالكامل، وإن الفريق تمكن من تدريب القطة على الاستماع إلى أصوات البشر بشكل أكبر.
وتكشف تفاصيل المشروع أن المشكلة لم تكن بالضرورة في قدرة العلماء على تصنيع جهاز تنصت صغير، وإنما في محاولة التحكم في سلوك حيوان مستقل بطبيعته. ويشير خبير سلوك القطط ستيفن كواندت، الذي تحدث إلى «Popular Science»، إلى اختلاف جوهري بين القطط والكلاب؛ فالكلاب جرى استيلادها وتدريبها على مدى أجيال لأداء مهام والتعاون مع البشر، بينما لا تعتمد علاقة القطط بالبشر بالطريقة نفسها.
ومن المفارقات أن الوثائق الرسمية نفسها لم تعتبر العمل العلمي عديم القيمة؛ إذ وصفت ما تحقق بأنه «إنجاز علمي رائع»، قبل أن تصل في النهاية إلى أن المشروع لن يكون عمليا للاحتياجات الاستخباراتية المتخصصة. ومع تطور التكنولوجيا، أصبحت وسائل مثل الطائرات المسيّرة أكثر قدرة على أداء مهام المراقبة دون الاعتماد على سلوك حيوان يصعب التنبؤ به.
تجارب لحيوانات أخرى
ولم تكن القطة وحدها التي دخلت عالم المهام السرية؛ فقد كشفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» عن تجارب أخرى استخدمت فيها الحيوانات أو حاكت أشكالها لأغراض استخباراتية. فخلال الحرب الباردة، زوّدت الوكالة حماما بكاميرات صغيرة مثبتة على أجسامها لالتقاط صور لمناطق محددة من ارتفاعات منخفضة، مستفيدة من وجود هذه الطيور بصورة طبيعية في المدن. كما طورت أجهزة تنصت ومراقبة متنكرة في هيئة حشرات، إلى جانب أجهزة استشعار صُممت لتبدو مثل فضلات النمور خلال حرب فيتنام، بهدف رصد حركة الأشخاص والمركبات والحيوانات.
أما الدلافين، فكانت جزءا من تجارب عسكرية أميركية وسوفييتية خلال الحرب الباردة؛ إذ درست البحرية الأميركية استخدام الثدييات البحرية في مهام تحت الماء، بما في ذلك نقل الأدوات والرسائل والمساعدة في استعادة أجسام من أعماق البحر. وتظهر وثائق رُفعت عنها السرية أن برامج مماثلة دُرست في الاتحاد السوفييتي أيضًا، ما يعكس اتساع سباق الابتكار العسكري خلال تلك الفترة.



