*
الاثنين: 28 أيلول 2026
  • 28 أيلول 2026
  • 13:22
من على ذات المنبر الأخضر المُعلّم يكرر الدرس فهل فهموه
الكاتب: أيمن الهلال

في قاعة دراسية قديمة، يقف الأستاذ أمام تلاميذه، عيناه تلمعان بخليط من الإحباط والعزم، اليوم هو يوم آخر ولكنه درس معاد، حيث يجد الأستاذ نفسه يكرر ذات الكلمات التي رددها مرارا وتكرارا على مدى سنوات، والطلبة يهزون رؤوسهم دلالة على فهم ما يقوله الأستاذ، ولكن الأستاذ بحكم خبرته يدرك أنهم لم يفهموا الدرس مرة أخرى، ورغم بساطة الدرس وطريقة الأستاذ الواضحة بالشرح، إلا أن إصرار الطلاب على عدم الفهم يثير حيرة الأستاذ، ولكن لا يمنعه من الشرح مرة أخرى. 
اليوم دخل الأستاذ الغرفة الصفية، وقرر أن يشرح الدرس من جديد، يبدأ الأستاذ بنبرة عميقة، ممزوجة بالحزن والغضب المكتوم، كم مرة شرحت لكم هذا الدرس، كم مرة وقفت هنا أشرح القواعد وأوضح المبادئ، وأطالبكم أن تسألوا عن أي معلومة لم تفهموها، لكنكم، مرة بعد مرة، تكررون نفس الأخطاء وتتجاهلون الدروس وتنسون القواعد وتعودون إلى سلوككم الخاطئ كأن شيئا لم يكن.
ينظر الأستاذ إلى الوجوه أمامه، بعضها ينظر إلى الأرض، وبعضها يتهامس، وقليل منها يبدو متأثرا بكلامه، ولكنهم جميعاً لا يفهمون، فيتنهد الأستاذ ويتابع، منذ أكثر من عشرين عاما، وأنا أعلمكم في هذه القاعة، كتبنا معا ميثاقا تعهدنا فيه أن نتعلم من أخطاء الماضي، ألا نكررها، لكن، يا للأسف، أرى أنكم لا تزالون غارقين في أخطائكم القديمة.
يرفع المعلم صوته قليلا، كأنه يحاول لفت انتباههم، ويقول لهم، تستمرون في إيذاء بعضكم بعضا، تدمرون فرص الآخرين، تتجاهلون القوانين التي تحدد العدالة والمساواة، مرارا وتكرارا، أرى نفس المشاهد، الظلم والإهمال والتجاهل، وأسأل نفسي إلى متى، متى ستتعلمون أن هذه القواعد ليست مجرد كلمات على السبورة، وليست مجرد أصوات تملأ الهواء، متى ستتعلمون أن هذه القواعد هي أساس التعايش، ومتى سأنتقل معكم إلى الدرس التالي؟
يشير المعلم إلى أحد التلاميذ، وأنت تدعي أنك تفهم، لكن أفعالك تقول غير ذلك، تتحدث عن الأمن، لكنك تمنعه عن الآخرين، تتوسع في أخطائك وتتجاهل القوانين، كيف يمكن أن نسمي هذا فهما للدرس؟
ثم يلتفت إلى الجميع، أما أنتم، فتقفون متفرجين وتصدرون الإدانات وتكتبون التقارير، لكن أين الأفعال، أين التغيير، أنتم شركاء في هذا الإخفاق بصمتكم، لقد رأينا مدنا تتحول إلى أنقاض وأطفالا يعانون ومدارس تدمر، ومع ذلك تكتفون بالكلام.
يصمت الأستاذ للحظة، وينظر إلى النوافذ المطلة على العالم الخارجي، أعلم أن هناك بصيص أمل، وأرى بعضكم بدأ يرفع صوته ليطالب بالتغيير، لكني أقول لكم إن هذا لا يكفي، يجب أن نعمل معا وأن نطبق القواعد التي تعلمناها وأن نحترم حقوق الجميع، يجب أن ننهي هذا الدرس الطويل، وأن ننجح فيه أخيرا.
يعود إلى مكتبه، وهو يختم بنبرة تحمل الأمل والتحدي، الوقت قد حان لتثبتوا أنكم فهمتم الدرس، لا تكرروا أخطاءكم مرة أخرى، فلنجعل السلام واقعا، ولنعش جميعا بكرامة.

مواضيع قد تعجبك