*
السبت: 26 أيلول 2026
  • 26 أيلول 2026
  • 13:43
حظر الرحلات الجوية الإيرانية إلى العراق اختبار معقد لحسابات بغداد

خبرني - يضع تعليق الرحلات الجوية للطيران الإيراني إلى العراق، بغداد أمام معادلة تتجاوز حركة الطائرات والمسافرين، بعدما فرضت العقوبات الأمريكية على شركات الطيران الإيرانية تداعيات مباشرة على المطارات العراقية، وفي مقدمتها مطار النجف.

وعمليا، أصبح النقل الجوي الإيراني المباشر إلى العراق معلقاً، بعد توقف الرحلات الإيرانية في مطاري بغداد والنجف الدوليين، بالتزامن مع دخول العقوبات الأمريكية الجديدة على قطاع الطيران الإيراني حيز التنفيذ.

اختبار صعب للسيادة 

لكن التزام العراق بالقرار يبقى رهنا بضغوط كبيرة، حيث تواجه بغداد وسط اعتراضات سياسية ودينية من قوى عراقية مقربة من طهران وتحذيرات إيرانية من اتخاذ إجراءات مقابلة.

والسبت، أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، أن الحكومة العراقية باشرت حواراً مباشراً مع الجانب الأمريكي لاستثناء بعض المطارات العراقية من الإجراءات الأخيرة.

وأوضح البيان أن الحكومة تسعى إلى استئناف الرحلات الجوية لدواعٍ إنسانية، تشمل حالات العلاج والدراسة والزيارات الدينية، فضلاً عن ارتباطها بمصالح المدنيين.

الموقف الحالي: لا رحلات إيرانية

وبدأ توقف الرحلات بصورة تدريجية؛ إذ علق مطار بغداد استقبال شركات الطيران الإيرانية أولاً، بينما استمرت الرحلات بصورة مؤقتة عبر مطار النجف، قبل أن تعلن إدارته وقف جميع الرحلات القادمة من إيران والمغادرة إليها اعتباراً من الساعة الثانية فجر الجمعة 25 أيلول/سبتمبر 2026 وحتى إشعار آخر.

وأكد مسؤول في وزارة النقل العراقية تعليق جميع الرحلات الجوية بين العراق وإيران ذهاباً وإياباً، اعتباراً من الجمعة.

في حين، ذكر مسؤول كبير في وزارة النقل التي تديرها منظمة "بدر" وهي جماعة مرتبطة بإيران في تصريح لـ"العين الإخبارية"، إن "جميع الرحلات من إيران إلى العراق والعكس أصبحت معلقة"، مشيراً إلى أن معظم الرحلات الإيرانية كانت تُسيّر عبر مطاري بغداد والنجف، اللذين يستقبلان النسبة الأكبر من الزائرين القادمين من إيران.

وقال إن مطار النجف كان آخر المطارات العراقية التي واصلت تسيير الرحلات مع إيران، قبل أن يوقفها بدوره، مؤكداً أن التعليق سيستمر إلى حين رفع العقوبات.

وقال المسؤول إن "العراق ملتزم بالتعليمات، والأمر ليس بيده"، واصفاً القيود بأنها "قرار دولي". 

ويبدو أن المقصود بتصريح المسؤول هو أن نطاق تأثير العقوبات تجاوز الولايات المتحدة إلى المطارات والشركات الأجنبية، بسبب التهديد بفرض عقوبات ثانوية على الجهات التي تزود الشركات الإيرانية بالخدمات.

حظر الرحلات الجوية الإيرانية إلى العراق.. اختبار معقد لحسابات بغداد - صورة 1

أمر حكومي أم امتناع شركات الخدمات؟

وقدمت المصادر العراقية روايتين لآلية توقف الرحلات. تقول الرواية الأولى إن المطارات تلقت توجيهاً حكومياً رسمياً بعدم استقبال الرحلات الإيرانية، وهو ما أكدته إدارة مطار النجف عند إعلان التعليق.

وأكد مصدر في مطار النجف ، أن قرار إيقاف الرحلات جاء بأمر من مدير مكتب رئيس مجلس الوزراء، فيما قالت إدارة المطار إن تعليق جميع الرحلات من إيران وإليها اتخذ استناداً إلى تعليمات الجهات المختصة.

أما الرواية الثانية فتشير إلى أن وزارة النقل وسلطة الطيران المدني لم تتخذا في بداية الأزمة قراراً فنياً بإغلاق الأجواء، لكن شركات المناولة والخدمات الأرضية الخاصة اعتذرت عن خدمة الطائرات الإيرانية خشية تعرضها للعقوبات الأمريكية.

وتحتاج الطائرات الإيرانية إلى خدمات التزود بالوقود والهبوط والمناولة الأرضية والصيانة والتفتيش الفني وبيع التذاكر. ولذلك فإن امتناع الشركات عن تقديم هذه الخدمات يؤدي عملياً إلى وقف الرحلات، حتى من دون صدور قرار بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الإيرانية.

طائرة تعود إلى مشهد بلا مسافرين

برزت إحدى التداعيات المباشرة للقرار عندما غادرت طائرة تابعة لشركة "معراج" الإيرانية مطار النجف الدولي متجهة إلى مدينة مشهد شمال شرق إيران من دون مسافرين.

وقالت وسائل إعلام إيرانية إن سلطات المطار منعت المسافرين من الصعود إلى الطائرة بعد بدء تنفيذ التعليق، ما اضطرها إلى العودة من دون ركاب.

وتشير الحادثة إلى أن الإجراء لم يقتصر على وقف استقبال الطائرات القادمة من إيران، بل شمل أيضاً منع نقل المسافرين من المطارات العراقية إلى المدن الإيرانية.

ماذا تتضمن العقوبات الأمريكية؟

وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 8 أيلول/سبتمبر عقوبات على عشرات الجهات المرتبطة بقطاع الطيران الإيراني، من بينها 27 شركة طيران إيرانية وشركات أجنبية تعمل في مجالات الطيران والشحن والخدمات، على أن تدخل الإجراءات حيز التنفيذ في 23 من الشهر نفسه.

وتهدد العقوبات الجهات الأجنبية التي تتعامل مع شركات الطيران الإيرانية المدرجة، بما في ذلك المطارات وشركات الوقود والمناولة والصيانة ومكاتب بيع التذاكر، بإجراءات مالية قد تصل إلى منعها من التعامل مع النظام المالي القائم على الدولار.

ولا تمثل هذه الإجراءات حظراً دولياً صادراً عن منظمة الطيران المدني الدولي، كما أنها لا تغلق الأجواء العالمية قانوناً أمام جميع الطائرات الإيرانية، لكنها تجعل استمرار تشغيل الرحلات صعباً بسبب المخاطر التي تواجه الشركات المقدمة للخدمات.

مخاوف من الخسائر الاقتصادية 

حذّر رئيس مجلس محافظة النجف، حسين وحيد العيساوي، من أن تعليق الرحلات الإيرانية سيلحق أضراراً اقتصادية كبيرة بمطار النجف، موضحاً أن الطيران الإيراني يشكل نحو 85% من إجمالي حركة الطيران الخارجي في المطار.

وقال العيساوي في تصريح ، إن الحكومة المحلية لن تقف مكتوفة الأيدي، وإنها شكلت لجاناً داخل ديوان المحافظة لبحث الأزمة والوصول إلى حلول تقلل الخسائر.

وأضاف أن الحكومة المحلية تجري مفاوضات مع عدد من شركات الطيران، من بينها شركات مصرية وجورجية وتركية، بهدف فتح خطوط جديدة إلى مطار النجف وتعويض جزء من التراجع في حركة الطيران.

وأشار إلى وجود مقترح قيد المناقشة يقضي بأن تتولى الخطوط الجوية العراقية تسيير رحلات إلى المدن الإيرانية، لتعويض توقف الشركات الإيرانية المشمولة بالعقوبات وضمان استمرار حركة الطلبة والمرضى والتجار والزائرين.

لماذا يلتزم العراق؟

ويرى الخبير والمحلل السياسي باسل الكاظمي أن العراق يحاول وضع مصالحه الوطنية في المرتبة الأولى عند التعامل مع هذه الأزمة، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي، مع تجنب الدخول في صدامات إقليمية أو دولية.

وقال الكاظمي في تصريح ، إن بغداد تجد نفسها ملزمة عملياً بتطبيق العقوبات على قطاع الطيران الإيراني بسبب علاقاتها السياسية والاقتصادية الواسعة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن ارتباط جانب كبير من تعاملاتها المالية بالنظام المصرفي الأمريكي والدولار.

إيران تلوّح بالمعاملة بالمثل

وقابلت طهران القيود المتزايدة بتحذيرات من إجراءات مضادة. وقال رئيس لجنة عمران في مجلس الشورى الإيراني محمد رضا رضائي كوتشي إن بلاده ستتخذ خطوات مقابلة إذا فرضت الدول المجاورة قيوداً على رحلات شركات الطيران الإيرانية أو امتنعت عن تقديم الخدمات اللازمة لطائراتها.

وأضاف أن إيران لن تسمح بدورها لشركات الطيران التابعة لتلك الدول بتسيير رحلات إلى الوجهات التي تستطيع طهران فرض قيود متبادلة عليها.

التداعيات على المسافرين والسياحة الدينية

وقال عضو هيئة السياحة في النجف، محمود الجياشي  إن وقف الرحلات لا يعني إغلاق الحدود بين العراق وإيران، إذ ما تزال المنافذ البرية تمثل البديل الرئيس للمسافرين، إلا أن السفر البري يستغرق وقتاً أطول.

وتضم شبكة المطارات الدولية العراقية مطارات بغداد والبصرة والنجف والموصل وكركوك، فضلاً عن مطاري أربيل وجلال طالباني الدولي في السليمانية ضمن إقليم كردستان.

أزمة سياسية تتجاوز المطارات

الخبير والمحلل الاقتصادي "سلمان الجميلي" أكد في حديثه ، إن أزمة الرحلات تحولت سريعاً من ملف فني إلى اختبار سياسي لعلاقات العراق الخارجية. فبغداد لا تريد الظهور بموقع المنفذ المباشر لسياسة واشنطن ضد طهران، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل مخاطر العقوبات الثانوية على مؤسساتها المالية ومطاراتها وشركاتها".

وأضاف "في المقابل، تنظر إيران إلى القيود الجوية بوصفها جزءاً من محاولة عزلها إقليمياً، وتضغط على الدول المجاورة لعدم الاستجابة للتهديدات الأمريكية، مستخدمة مبدأ المعاملة بالمثل ورقةً للرد".

وعن الموقف المناسب للعراق، أوضح الجميلي "الخيار الأقل كلفة للعراق يتمثل في السعي للحصول على استثناءات واضحة للرحلات الإنسانية والدينية، ودراسة إمكان تشغيل الخطوط العراقية على المسارات بين البلدين، بالتوازي مع فتح خطوط دولية جديدة إلى مطار النجف لتقليل اعتماده الكبير على الناقلات الإيرانية".

مواضيع قد تعجبك