أحمد عبدالباسط الرجوب – باحث ومخطط استراتيجي
نحو مقاربة أردنية لتحصين المجتمع والدولة
الذكاء الاصطناعي ليس تقنية إضافية، بل ثورة تعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والإعلام والإدارة والأمن، وتمتد إلى طريقة التفكير وإنتاج المعرفة واتخاذ القرار. وله وجه مشرق يفتح أبواب التقدم، ووجه آخر يحمل مخاطر حقيقية: التزييف العميق، وانتحال الأصوات والصور، وتضليل الرأي العام، والاحتيال الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، والهجمات السيبرانية، والتحيز الخوارزمي.
السؤال ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ فالإجابة محسومة. السؤال الحقيقي: كيف نستخدمه دون أن يتحول إلى مصدر للفوضى أو تهديد للثقة العامة أو انتقاص من حقوق الإنسان أو مساس بأمن الدولة والمجتمع؟
الأردن بدأ... والمطلوب تسريع الخطى
الأردن ليس في نقطة الصفر: الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي وخطتها التنفيذية (2023–2027) تضم 68 مشروعاً، إضافة إلى الميثاق الوطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي القائم على الشفافية والمساءلة وعدم التحيز وحماية الخصوصية وسيادة القانون. لكن هذه بداية الطريق لا نهايته؛ فالسياسات والقوانين بحاجة إلى مراجعة مستمرة، والدولة مطالبة بقدرة مؤسسية تواكب التقنية لا تلحق بها.
حماية الحقيقة قبل فقدان الثقة
أخطر ما يواجه المجتمعات هو تراجع القدرة على التمييز بين الحقيقة والتزييف. فإذا أمكن إنتاج صوت مسؤول لم يتحدث، أو صورة حدث لم يقع، فإن المشكلة لا تتعلق بالمحتوى المزيف بل بالثقة العامة التي يقوم عليها المجتمع والدولة. وهنا تبرز مسؤولية الدولة في وضع قواعد واضحة للمحتوى المصطنع، وتعزيز التحقق من المعلومات، وحماية البيانات والمواقع الرسمية، وتمييز المحتوى الرسمي عن المزيف، خصوصاً فيما يتعلق بالعلم والشعارات والأختام والرموز الوطنية.
المعركة الحقيقية: عقل الإنسان
الخطر الأعمق ليس في الأجهزة بل في الإنسان. فالذكاء الاصطناعي يكتب للطالب ويحلل ويقترح ويبحث نيابة عنه. والسؤال: هل نريد جيلاً يجيد استخدامه، أم جيلاً يستخدمه دون أن يفقد استقلاله في التفكير؟ لذلك يجب إدخال الوعي بالذكاء الاصطناعي في صميم التعليم، ليتعلم الطالب كيف يتحقق من النتائج ويفهم حدودها ويكتشف أخطاءها. الاستثمار في عقل الإنسان يجب أن يسبق الاستثمار في الآلة.
الأمن الوطني في عصر الأنظمة الذكية
مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الطاقة والمياه والاتصالات والنقل والمال والصحة والإدارة، تصبح حماية هذه الأنظمة جزءاً من الأمن الوطني. فالأمن السيبراني يجب ألا يكون إجراءً لاحقاً، بل جزءاً من التصميم منذ اللحظة الأولى. والقاعدة: لا نظام ذكاء اصطناعي في قطاع حساس دون اختبار مسبق للسلامة والمخاطر، ومراجعة دورية بعد التشغيل.
المطلوب حوكمة مرنة ومتدرجة، لا إغراق يخنق الابتكار ولا انفلات بلا قواعد. والمبدأ: كلما زادت خطورة الاستخدام زادت درجة الرقابة. فالأنظمة المؤثرة في الحقوق والأمن والخدمات الأساسية تخضع لمستويات أعلى من الاختبار والشفافية والمساءلة، بينما تُعامل الاستخدامات محدودة المخاطر بمرونة أكبر. وهذا يتطلب تنسيقاً حقيقياً بين الدولة والجامعات والقطاع الخاص والخبراء، فالملف وطني متعدد الأبعاد لا يخص وزارة واحدة.
فرصة لا ينبغي تفويتها
الأردن يمتلك استراتيجية وطنية، ومشاريع تنفيذية، وإطاراً أخلاقياً، ومؤسسات وكفاءات، وبنية رقمية متطورة، والحكومة تدمج الذكاء الاصطناعي في قطاعات ذات أولوية. لكن المرحلة المقبلة تحتاج الانتقال من وضع الاستراتيجيات إلى بناء قدرة دائمة على الحوكمة والرقابة والتقييم.
لا نحتاج الخوف من الذكاء الاصطناعي ولا الانبهار به، بل وضعه في مكانه الصحيح: أداة في خدمة الإنسان والدولة والمجتمع، لا قوة منفلتة تفرض شروطها على الجميع.
المعادلة المطلوبة
· ابتكار بلا فوضى
· حرية بلا إساءة
· تكنولوجيا بلا تغول
. تقدم يحافظ على الإنسان وكرامته وهويته
الثورة التكنولوجية لن تنتظر اكتمال القوانين. لذلك المطلوب البدء الآن لبناء منظومة وطنية تحمي الحقيقة، وتصون الخصوصية، وتحافظ على الرموز الوطنية، وتؤمّن البنية التحتية، وتحصّن الأجيال، وتفتح المجال للابتكار والاستثمار.
فالذكاء الاصطناعي قادم بقوة، والسؤال ليس كيف نوقفه، وإنما كيف نضمن ألا يفلت زمامه من أيدينا.
باحث ومخطط استراتيجي



